"أرانب" الحاوي نتنياهو وغياب المبادرة الفلسطينية

1480709737124124.JPG
حجم الخط

 

مزرعة أرانب في كُم رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو. فهو «ساحر» محترف يتقن حرف الانظار عن الجوهر، وشدِّها نحو قضايا جانبية، وغير مُحقّة ايضا. ويتقن اختيار التوقيت الملائم لاخراج «أرنبه» من كُمِّه.
«الأرنب الأكبر» الذي اخرجه، حتى الآن، هو «يهودية الدولة». ورغم تفاهة طرح هذا الموضوع، فانه ما زال يربك الفلسطينيين، ويقنع كثيرين في عالم المنحازين منذ البداية لمشروع الاحتلال والاستعمار الاسرائيلي لفلسطين، بان المسألة جوهرية، ويتوجب على الفلسطينيين الاقرار العلني بذلك، وإلّا.. فإنهم يتحملون مسؤولية تعطيل «المسيرة»(!). 
هكذا ينفّذ نتنياهو سياسة «معلِّمه»، اسحق شامير، الذي وعد الاسرائيليين عند انجراره الى «مؤتمر مدريد» بأوامر صريحة من الرئيس الامريكي، جورج بوش الاب، ووزير خارجيته، جيمس بيكر، انه سيقود «مفاوضات لا تنتهي».
آخر ثلاثة «أرانب» اخرجها نتنياهو الى النور هي: 1ـ التحريض الفلسطيني؛ 2ـ تخصيص رواتب لعائلات الشهداء والاسرى الفلسطينيين؛ 3ـ تسمية شوارع وميادين ومؤسسات تخليداً لـ»مخربين» ملطخة ايديهم بدماء «ابرياء» اسرائيليين. 
المؤلم في الموضوع، هو طريقة التعاطي الفلسطيني الرسمي، (او قل «الشرعية الفلسطينية»)، مع هذه السياسة الاسرائيلية. فهي تارة تتبنى سياسة الدفاع، وتارة تستجيب لها جزئيا وعلى استحياء، وتارة تستجيب لها ببجاحة، وهي وصمة عار في جبينهم وتاريخهم، وآخر مثال على ذلك هو ازالة النصب التذكاري للشهيد البطل الحقيقي خالد نزّال، القائد العسكري في الجبهة الديمقراطية، من احدى ساحات مدينة جنين، بعد ايام فقط من الاحتفال باقامته. 
سياسة هذه «الشرعيات الفلسطينية» هي منزلق خطير نحو هاوية لا قعر لها. فما زال في كُم «الساحر» نتنياهو أرانب كثيرة. واذا استمرت هذه السياسة، فلا غرابة ان نصل الى الاضطرار الى محو تاريخنا ونضالنا بيدنا، والى التخلي عن شهدائنا الابطال الابرار، الذين لولا تضحياتهم المشرّفة لما عاد نحو نصف مليون لاجئ فلسطيني (حتى الآن)، ومنهم هذه «الشرعيات»، الى ارض فلسطين؛ وقد لا يتوقف الامر حتى عند حد مطالبة سلطات الاحتلال والاستعمار الاسرائيلي لنا بأن نهدم بايدينا اضرحة الأعز بين شهدائنا ومناضلينا: أبو عمار ومحمود درويش.
ـ افضل نتيجة للدفاع، تظل أسوأ من اي نتيجة لهجوم مدروس.
ـ أسوأ نتيجة للهجوم المُعَدّ له بإتقان، خير من أفضل نتيجة ممكنة للدفاع. 
ـ المبادرة هي الفعل، ومن لا يفعل يتحول الى «مفعول به».
هذه حقائق ثابتة. لكن السِّمة الغالبة للعمل السياسي الفلسطيني، على مدى ما يزيد من قرن وعقدين من الزمن، ومنذ انطلاق الحركة الصهيونية عام 1897، وحتى الآن، (باستثناء ثماني وعشرين سنة، هي سنوات انطلاق الثورة الفلسطينية الحقيقية المعاصرة عام 1965، ولغاية توقيع اتفاقية اوسلو عام 1993)، كانت التخلف والضعف الفلسطيني، من عهد الحاج امين الحسيني الديني، الى عهد احمد الشقيري القومي، ثم السنوات العجاف منذ العام 2005 وحتى الآن، التي اختلطت فيها مراحل «الرقص» على «طبلة» ايهود براك ووريثه شارون، وصولا الى طبلة «الساحر» نتنياهو، ومعزوفته المفضّلة: «الحياة مفاوضات». 
حتى لا يظل ما اعتقده سياسة فلسطينية يجدر بنا اعتمادها مجرد كلام نظري، ألجأُ الى التوضيح: إدامة الإشتباك مع العدو بتواصل ودون أي انقطاع، هي السياسة الحكيمة التي يتوجب على الفلسطينيين ممارستها. لكن هذا لا يكفي، حيث ان الاهم هو المبادرة، وعدم الانجرار الى اشتباكات على مواضيع يختارها العدو، جوهرية او هامشية، وفي ساحات محلية او دولية،.هذان الموضوعان: إدامة الإشتباك، والمبادرة الى الفعل، باختيار قضايا الإشتباك وساحاته، هما القاعدتان التي يمكن بناء سياسة فلسطينية حكيمة ومثمرة عليهما.
ازيد توضيحا: نحن الشعب الذي خسر وطنه (في حرب لم يخضها)، بالاحتلال الاول، ثم ما تلا ذلك من استعمار في حرب حزيران المشينة عام 1967. ومصلحة اسرائيل ان تنعم بما كسبت. وذلك ما لا يمكن تحقيقه الا اذا لاذ الفلسطينيون الى الهدوء، ولم يتبنوا طريق المقاومة (بكل اشكالها المشروعة لكل شعب يقع ضحية لاحتلال واستعمار)، وصمتوا عن المطالبة باملاكهم الفردية والوطنية، وحقوقهم السياسية الشرعية. ما تسعى اليه اسرائيل هو «الهدنة» فقط، وعدم التواصل مع ضحيتها، الشعب الفلسطيني، لأن الهدنة تخدم هدفين جوهريين لاسرائيل، اعترف دافيد بن غوريون باحدهما في مذكراته، وكنت قد ذكرتها في اكثر من مقال، حيث يقول: «اذا سعينا لاحراز سلام، فانهم سيطلبون ثمناً لذلك..ربما تعديلا في الحدود، او اعادة لاجئين، او ربما كليهما،.. ولذلك: الهدنة تكفينا».، واما الهدف الثاني الذي «نسي» بن غوريون تسجيله، فهو ان «الهدنة» بما تشير تلميحا له، انها مرحلة انتظار لحرب تالية تستدعي الاستعداد لها، وهي بذلك تحفظ تماسك المجتمع الاسرائيلي، وتمنع تفجر الصراعات بين المهاجرين اليهود، القادمين من حضارات وتقاليد وعادات ولغات ودول متعددة. ويمكن هنا اعادة التذكير بما قاله شامير حول «مفاوضات لا تنتهي».
ثم: اكتفاء الضحية، شعبنا الفلسطيني، ممثلا بقياداته، بردة الفعل على ما يبادر عدوه الى طرحه، (حتى ولو كانت ردة فعل هذه القيادات هي الرفض المطلق لما تثيره اسرائيل من قضايا ومواضيع)، هو تقصير يُسجَّل في سيرة القيادات الفلسطينية. ان تقصير «القيادة الشرعية» وامتناعها عن المبادرة بطرح القضايا الجوهرية التي تربك حكومة اسرائيل، وتفضح سياساتها العنصرية امام العالم، وتستدرج تأييدا اكثر على الساحة الاسرائيلية والساحات الدولية، لمطالب وحقوق الشعب الفلسطيني، وتستدرج تنديدا ورفضا اكثر، من شعوب العالم لسياسات حكومات اسرائيل العنصرية، هو امر جدير بان تحاسب عليه هذه القيادة.
نعود اخيرا الى المواضيع الصغيرة: آخر «أرنبين» اطلقهما «الساحر» نتنياهو، كانا: «التحريض الفلسطيني» على العنف ضد المدنيين الاسرائيليين، متمثلا في كتب التعليم في المدارس الفلسطينية، والثاني: تخليد «قتلة ومخربين» فلسطينيين بإطلاق شوارع وساحات ومؤسسات في مناطق السلطة بإطلاق اسمائهم عليها. ما رأيكم، (في ما يخص ارنب التحريض في كتب التاريخ الفلسطينية، للصفوف الابتدائية والثانوية)، بإزالة كل «تحريض» لمؤرخ او لكاتب فلسطيني، واستبداله بدرس لمدارس الفلسطينيين بعنوان محاولة الإجابة على سؤال: «لماذا رفض عالم الفيزياء الأهم في القرن العشرين، البرت آينشتاين، اليهودي، عرض بن غوريون له سنة 1952، ان يكون رئيسا لدولة اسرائيل؟؟». ثم، لدرس التاريخ الثاني في المدارس الفلسطينية: لماذا قال البرت آينشتاين ان اعضاء إيتسل، (إرغون لوحمي ايرتس يسرائيل ـ منظمة مقاتلي ارض اسرائيل)، بقيادة بيغن، واعضاء ليحي، (لُوحمي حيروت يسرائيل ـ مقاتلو تحرير اسرائيل)، بقيادة شامير «انهم مجرمون»؟
وللدرس الثالث في التاريخ: «لماذا وقّع العالِم البرت آينشتاين، مع 24 شخصية يهودية، على رسالة/إعلان نشرتها صحيفة نيويورك تايمز يوم 4.12.1948 ورد فيها ان الموقعين «قلقون» من ان حركة «حيروت» ستحصل على دعم، وهي، كما ورد في الرسالة/الإعلان «خلطة من التعصب القومي والتطرف والغيبية الدينية والتفوق العنصري»؟.
اما للدرس الرابع في التاريخ الحديث للمدارس الابتدائية والثانوية وللجامعات الفلسطينية، فتختار وزارة التعليم الفلسطينية مادة بعنوان: «لماذا قال المفكر، الصهيوني، إحاد هعام، منافس هرتسل على زعامة الحركة الصهيونية، في تقريره الى الحركة الصهيونية، إثر زيارته لفلسطين في العقد الاول من القرن الماضي، «ان في فلسطين شعبا، وهي ليست ارضا بلا شعب، لشعب بلا ارض». ثم لِيَلي ذلك اسئلة من مِثل: أعرب ما يلي، او بيِّن افعال الماضي والمُضارع في الفقرة الثانية من النّص اعلاه.
في ما يخص تخليد الشهداء والابطال الفلسطينيين، يكفي ان يُذكِّر الفلسطينيون الاسرائيليين والعالم، ان الطبيب اليهودي المجرم الضابط في الجيش الاسرائيلي، باروخ غولدشتاين، (وهو، بالمناسبة، خريج كلية الطب على اسم البرت آينشتاين، في جامعة «يشيفا» اليهودية في اميركا)، ذهب للصلاة في الحرم الابراهيمي في الخليل حاملا سلاحه، حيث صلّى في «القاعة اليهودية» مع اثني عشر يهوديا، وفي القاعة الرئيسية للحرم نحو 800 مُصلٍّ مسلم في صلاة الفجر في يوم الجمعة، الخامس عشر من رمضان الذي يوافق 25.2.1994، وفور انتهائه من صلاته انتقل الى القاعة حيث المُصلّين الفلسطينيين، واستل سلاحه وبدأ بارتكاب جريمته، فقتل 29 مُصلّياً فلسطينياً وجرح 129 آخرين، وقُتل اثناء محاولته تغيير المشط في بندقيته، ثم دفن في مستعمرة «كريات اربع» المقامة على اراضي احدى قرى محافظة الخليل، وأُقيم على قبره نصب تذكاري كُتب عليه ما ترجمته: « ضحّى بروحه من اجل بني اسرائيل،..طاهر الكفِّ وصاحب القلب الطيب، لتكن ذكرى الصِّدّيقين الشهداء الى الأبد،..ولينتقم الله لدمه»، واصبح، وما زال، قبره مزاراً يتسابق غلاة العنصريين الاسرائيليين وغيرهم من اليهود لزيارته والحج اليه.
حكاية المجرم اليهودي الاسرائيلي، عامي بوبر، لا تقل فظاعة واستفزازا لاي عاقل سليم الطوية: قتل سبعة عمال فلسطينيين وجرح احد عشر فلسطينيا آخر في «ريشون لتسيون» يوم 20.5.1990، (ايام الانتفاضة الاولى)، وفي التحقيق الاوّلي معه قال انه فعل ذلك لأن صاحبته هَجَرته، ثم قال انه فعل فِعلته الاجرامية لأنه تعرض لعملية اغتصاب عندما كان في الثالثة عشر من عمره. حكم بِعدّة مؤبدات، ولكنه وهو في السجن تزوج عام 1993، من سارة غولدبرغ اليهودية الكندية الناشطة في حركة «كاخ» اليهودية العنصرية، وسمح له الاختلاء بها، فانجبت له ثلاثة اولاد، وبعد ان بدأ التمتع بإجازات من السجن عام 1997، قاد سيارة سنة 2007 بدون ان يحصل على ترخيص قيادة سيارة، وتسبب بحادث سير قتلت فيه زوجته وابنه الاصغر، وأُصيب فيه هو وابناه الآخران بجروح. وبعد ذلك، وفي العام 2013، عاد وتزوج من امرأة ثانية.
اكثر من ذلك: يغئال عمير، قاتل رئيس الحكومة الاسرائيلية الاسبق، اسحق رابين، يوم 4.11.1995، تزوج وهو في السجن عام 2004، من استاذة الفلسفة المطلقة، لاريسا تريمبوفلر، وسمح ويسمح له بالاختلاء بها، وانجبت منه ابنا. والمضحك المبكي ان المحكمة الاسرائيلية قضت ان تتم ختانة الابن في السجن في حضن والده المجرم وبحضور ابناء عائلته، وتم ذلك يوم 4.11.2007، اي نفس يوم ذكرى ارتكاب عمير لجريمته.
يستكثر «الساحر» نتنياهو ان يحفظ الفلسطينيون لعائلات شهداء واسرى وجرحى تحرير فلسطين لقمة العيش، لا اكثر.
هل انزلقت انا ايضا الى دائرة رد الفعل، بدل المبادرة؟.

عن القدس العربي