منظمة التحرير الفلسطينية: يتغنون بها ولا يريدونها

تنزيل-1.jpg
حجم الخط

 

كل الأطراف الفلسطينية تتحدث عن أهمية منظمة التحرير وضرورة رد الاعتبار لها واستنهاضها ، ولكن ،وكلما أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من عقد المجلس الوطني إلا ويتفجر الخلاف مجددا ويتذرع هذا الطرف أو ذاك بحجة ما لتأجيل انعقاد المجلس الوطني و الدعوة للانتخابات العامة .

 مكان انعقاد المجلس الوطني أو نظام الانتخابات مجرد ذرائع لإخفاء حقيقة أن حركتي فتح وحماس وبالرغم من تغنيهما بالمنظمة وتكرار حديثهما عن اهمية إعادة بنائها واستنهاضها إلا أن لكل منهم حساباته المغايرة لخطابهم المعلن . حركة حماس لا تريد الدخول في منظمة التحرير لأنها (مشروع إسلامي) يتعارض مع منظمة التحرير كحركة تحرر وطني ولأنها تقدم نفسها كبديل للمنظمة كما أنها تحولت لحزب سلطة في قطاع غزة وحسابات حزب السلطة تتعارض مع حسابات حركة التحرر ،أيضا يبدو أن قيادة منظمة التحرير مترددة في العودة لمنظمة التحرير واستنهاضها حتى بتركيبتها القديمة لأن استحقاقات منظمة التحرير كحركة تحرر وطني تتعارض مع متطلبات التسوية السياسية واستحقاقات السلطة والدولة ،وحركة فتح العمود الفقري للمنظمة أصبحت حزب سلطة ودولة قيد التأسيس .

ولكن ،وبعيدا عن حسابات السلطة/السلطتين واستحقاقات تسوية مأزومة فإن الحالة الوطنية تُحتم العودة لمنظمة التحرير .ولكن قبل الحديث عن الأسباب الموجبة لإعادة إحياء وتفعيل منظمة التحرير علينا التطرق للأسباب التي أدت لتهميشها ،وما إن كانت أسباب تهميشها قد زالت وتراجعت الأطراف التي همشت المنظمة عن موقفها ؟ أم ما زالت الأمور تراوح مكانها ؟.

أولا : الأسباب والظروف التي أدت لتهميش مكانة ودور منظمة التحرير .

 التآمر على منظمة التحرير واكب المنظمة منذ تأسيسها .كل القوى والدول المعارضة لظهور الوطنية الفلسطينية واستقلال القرار الفلسطيني ناصبت المنظمة العداء كل منها من منطلق ولأسباب مختلفة عن الآخرين ،وإن كانت القوى المعادية للمنظمة أو المتحفظة على تأسيسها وسياساتها في البداية غير فلسطينية كإسرائيل والأردن وبعض الدول العربية والجماعات الإسلاموية ،ففي مرحلة لاحقة أصبح الخطر المُهدد للمنظمة من داخل البيت الفلسطيني ،وأصبحت العوائق أو التحديات أمام انعقاد المجلس الوطني واستنهاض المنظمة فلسطينية بالأساس ،ويمكن حصر هذه التحديات أو العوائق بما يلي   :

ظهور حركة حماس وتقديم نفسها كبديل للمنظمة . منذ ظهور الحركة في إطار المجمع الإسلامي وهي تناصب المنظمة العداء وتشكك بصفتها التمثيلية وتعمل كل ما من شأنه أن يقوض سلطتها وسياساتها .

 بالرغم من أن السلطة الوطنية تم تأسيسها بقرار من المجلس المركزي لمنظمة التحرير حيث راهنت قيادة المنظمة على عملية تسوية تنقل الفلسطينيين من حالة التحرر الوطني التي عنوانها منظمة التحرير إلى مرحلة الدولة والسلطة كقاعدة منطلق للدولة ،إلا أن السلطة انقلبت لاحقا على المنظمة وأصبحت استحقاقات التسوية واتفاقية أوسلو والتزامات السلطة تتطلب تهميش المنظمة ،وحلت مؤسسات السلطة محل مؤسسات المنظمة .

يبدو أن القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس أبو مازن ما زالت مترددة بالعودة لمنظمة التحرير كحركة تحرر وطني ،لأن ذلك يعني الخروج من مربع السلطة والتسوية السياسية وقد يربك الاشتغال على الدولة الفلسطينية ،والقيادة ما زالت لم تحسم أمرها بهذا الشأن ،وهكذا نلاحظ كلما تجدد الحديث عن مفاوضات أو الذهاب للأمم المتحدة يتم تجميد الحديث عن الدعوة لعقد المجلس الوطني ،كما هو الحال هذه الأيام  .

ثانيا : الأسباب الموجبة لعقد المجلس الوطني واستنهاض منظمة التحرير

المنظمة حتى الآن هي الممثل الشرعي والوحيد باعتراف غالبية دول العالم  وكل التعاملات الدولية تتم من خلالها ،وفي حالة إنهائها يصبح الفلسطينيون بلا عنوان .

تدهور أوضاع السلطة وتراجع خيار حل الدولتين ،وفشل الرهان على السلطة الوطنية بديلا للمنظمة وما يُحاك من مؤامرات على الشعب الفلسطيني لا يترك مجالا لاستمرار حالة التيه السياسي والفراغ المؤسساتي (غياب مرجعية واحدة وموَحِدة للشعب) حتى تتم المصالحة الفلسطينية وينتهي الانقسام وخصوصا أن معادلة الانقسام ليست فلسطينية فقط  .

عنصرية إسرائيل ورفضها للسلام أعاد القضية الفلسطينية إلى بداياتها وحسب توصيف منظمة التحرير لها ،كصراع بين إسرائيل من جانب وكل الشعب الفلسطيني في أراضي 48 والضفة والقطاع والشتات من جانب آخر .

  فشل حركة حماس وكل الجماعات الإسلاموية في تشكيل بديل عن منظمة التحرير ،وخصوصا بعد وصول مراهنات حركة حماس لطريق مسدود .

فقدان كل المؤسسات والمرجعيات السياسية المرتبطة بالسلطة لشرعيتها وصفتها الجامعة ،ووجود فراغ مؤسساتي استراتيجي .

من المهم أن تستنهض المنظمة نفسها حتى بتركيبتها القديمة ،لأن مشكلة منظمة التحرير لم تعد مع الفصائل خارجها فقط بل أيضا مع الفصائل والأحزاب المنتمية لها بل وداخل البيت الفتحاوي .

فشلت كل المحاولات التي تقف وراءها إسرائيل ودول عربية وأجنبية للقفز عن منظمة التحرير أو تجاهلها أو تشكيل بديل عنها ،وما ظهر من تشكلات  بقيت كيانات أو حالات هزيلة .

بالرغم من تراجع دور وحضور فصائل منظمة التحرير لاعتبارات سياسية وأيديولوجية ومادية ،إلا أن هذه الفصائل ما زالت هي الأقدر على تمثيل الحالة الوطنية واستنهاضها وخصوصا مع تراجع أيديولوجيا الإسلاموية السياسية.

حالة التيه السياسي والفراغ في الرؤية الاستراتيجية يتطلب دعوة المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد ليتحمل مسؤوليته .

إن لم تدعو القيادة الفلسطينية لعقد المجلس الوطني واستمرت حالة الانقسام فإن دولا عربية قد تتجاوب مع وتتبنى أي طرف فلسطيني يدعو لعقد المجلس الوطني أو أي مؤتمر فلسطيني عام سواء برغبة القيادة الفلسطينية أو عدم رغبتها ،أو يتم طرح موضوع منظمة التحرير على مجلس الجامعة العربية .

وأخيرا يجب التأكيد أن منظمة التحرير ليست حزبا كبقية الأحزاب و ليست حكرا على أحد أو إرث يُورث بل عنوان لكل الشعب وضرورة وطنية ما دام الاحتلال قائما ،الأمر الذي يتطلب إخراجها من مربع المناكفات والمناورة . فقط عند قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين يمكن النظر في مستقبل منظمة التحرير وإمكانية دمج مؤسساتها في مؤسسات الدولة المستقلة .