موطن الاستعصاء في المفاوضات النووية بين طهران وواشنطن!

1555d8a8884d51f0a70dac493d6e0db3
حجم الخط

الرئيس أوباما يبدي دائماً حرصاً على تأكيد أهمية وضرورة التوصُّل إلى اتفاقية مع طهران، تُسَوَّى فيها نهائياً مشكلة «القلق الغربي (والإسرائيلي) من نيَّات عسكرية لإيران تكمن في برنامجها النووي، على الرُّغْم من إعلان طهران، وتأكيدها، غير مرَّة، أنَّ برنامجها هذا لن يكون إلاَّ مدنياً، يستهدف، في المقام الأوَّل، توليد الكهرباء من مَصْدَر نووي، وعلى الرُّغم، أيضاً، من إدراج المرجعية الدينية الإيرانية صُنْع إيران للقنبلة النووية، أو حيازتها لها، أو استخدامها لها، في عِداد المُحرَّمات الدينية (الإسلامية).
ومع أنَّ الرئيس أوباما ظلَّ مستمسكاً بالتزام الولايات المتحدة القديم عدم السماح لإيران بصنع سلاح نووي فإنَّه أعرب، غير مرَّة، عن تخوُّفه من تبعات وعواقب الحرب، قائلاً (وكأنَّه يُفاضِل ليُفضِّل) إنَّ عدم التَّوصُّل إلى اتفاقية (نهائية، أو طويلة الأمد) مع طهران في شأن برنامجها النووي هو أَمْرٌ أخطر بكثير من التَّوصُّل إليها.
كلا الطرفين (الولايات المتحدة وإيران) يريد (ويسعى إلى، وله مصلحة في) تسوية نزاعه مع الآخر، ويَفْهَم «الانتصار» على أنَّه صراعٌ يمكن ويجب أنْ ينتهي بجَعْل الخصم (أو العدو) صديقاً. الولايات المتحدة، وفي عهد إدارة الرئيس أوباما على وجه الخصوص، لا تُمانِع في إنهاء كل العقوبات (الدولية، أو الغربية) المفروضة على إيران، التي تبدو موافِقَة تماماً على إثبات وتأكيد أنَّ برنامجها النووي لن يتمخَّض (أبداً) عن قنبلة نووية؛ لكنَّ طهران، المُصرَّة على الإنهاء الفوري لكل العقوبات، تُقيم، في مفاوضاتها مع واشنطن، صلة (غير مُعْلَنَة) بين تسوية مشكلة «البرنامج» بما يرضي الولايات المتحدة كثيراً، وبين التَّوصُّل إلى تفاهم بين الطرفين في شأن الدَّوْر الإقليمي لإيران، ويرضي طهران كثيراً.
ومعنى إرضاء الولايات المتحدة (ومعها إسرائيل) في شأن البرنامج النووي الإيراني هو أنْ تَضْمَن «الاتفاقية (النهائية)» مسافة واسعة (بالمعنَيَيْن الزمني والواقعي الموضوعي) بين هذا «البرنامج (المدني، الكهربائي)» وبين تَحَوُّل إيران إلى «دولة نووية بالقوَّة»، أيْ دولة لم تَصْنَع بَعْد قنبلة نووية؛ لكن في مقدورها صنعها فوراً في أيِّ وقت تشاء.
إنَّها «المسافة»، والتي من معانيها «نِسْبَة التخصيب»، هي التي ما زالت مدار الخلاف بين الطَّرفيْن؛ فـ «إطالتها كثيراً (بمقياس الزمن، وبمقاييس الواقع الموضوعي لهذا البرنامج)» هي ما يستبد بالتفكير الاستراتيجي للولايات المتحدة التي تَعْلَم (والآن على وجه الخصوص) أنَّ إيران لن تلبِّي لها هذا المَطْلَب إلاَّ إذا قبضت (منها، ومن غيرها) ثَمَناً باهظاً هو اعترافها (في طريقة ما) بدور إقليمي لإيران يسمح لها بشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة في تسوية ملفَّات (مشكلات ونزاعات) إقليمية عدة (سورية، العراق، اليمن، لبنان، الحرب على «داعش»، دور «حزب الله» اللبناني، لبنانياً وإقليمياً، وبعض القضايا الخليجية). وأحسبُ أنَّ المرونة التفاوضية لإيران في شأن برنامجها النووي لن تكون إلاَّ بحجم المرونة التفاوضية للولايات المتحدة في شأن تلك الملفَّات الإقليمية؛ وأحسبُ، ايضاً، أنَّ طهران تريد أنْ تقول لواشنطن إنَّني، ومن موقع الشراكة الاستراتيجية، لا من موقع التبعية الذليلة، أستطيع أنْ أخدمكِ إقليمياً أكثر وأفضل من غيري.
إنَّ إيران، ومن غير أنْ تبلغ ببرنامجها النووي حدَّ صُنْع القنبلة النووية، ومن غير أنْ تبلغ به حدَّ جَعْلها «دولة نووية بالقوَّة»، استطاعت أنْ تبلغ ما بلغته من نفوذ إقليمي متعدِّد الوجه والبُعْد؛ ومع ذلك، ثَمَّة أَمْرٌ مهم اختلف وتغيَّر الآن، ألا وهو وَضْع «الصلابة التفاوضية» لإيران على نارٍ قوية، هي كناية عن هذا الانهيار الكبير، السريع، والمتسارِع، لسعر برميل النفط؛ وقد يبلغ «الانهيار» حد «اللاجدوى التجارية»، أيْ البيع بسعرٍ يعدل «كلفة الإنتاج»، أو يقلُّ عنها.
مهلة التفاوض الجديدة قد تُسْتَنْفَد من غير التَّوصُّل إلى «الاتفاقية الدائمة»؛ لأنَّ المفاوِض الإيراني ما زال محتفظاً بـ «صلابته التفاوضية»، أو لأنَّ الأزمات الإقليمية لم تَعْنُف وتشتد بما يُعَظِّم الميل لدى إدارة الرئيس أوباما إلى تقديم ما يكفي من التنازل إلى إيران. وهذا «الإخفاق» يُرَجَّح أنْ يُعالَج بما لا يَصْلُح علاجاً، أيْ بتمديد جديد للمفاوضات؛ فإنَّ «انهيارها المُعْلَن السافِر» ليس بالأمر الذي يقع موقعاً حسناً من نَفْسَي الطرفين.