"سهيل كيوان" بلد المنحوس

1.PNG
حجم الخط

الكاتب: بهاء رحال

رواية "بلد المنحوس" الصادرة عن مكتبة كل شيء- حيفا، للكاتب الروائي سهيل كيوان، وهي رواية مكونة من 328 صفحة من القطع المتوسط، وذات غلاف مناسب لعنوان الرواية ومضمونها، وعلى جهة الغلاف الأخير نجد الروائي الجميل ربعي المدهون قد دون رأياً نقدياً صريحاً دون مبالغة أو تكلف، واضعاً القارئ أمام لمحة خاطفة لما يمكن أن يجده في الرواية التي أخذت شكلاً مختلفاً ومميزاً، من حيث الأسلوب والكلام والحوارات التي تنوعت وتعددت أشكالها ومضامينها، بين العامي المحكي، والفصيح الرزين.

 

أبحرت في فصول الرواية، وها أنا أكتب عنها ليس نقداً ولكن محبة للرواية التي شدتني إليها خلال ثلاثة أيام مضت، وهي بمثابة دعوة لجمهور القراء لكي يقرؤوا بلد المنحوس، فهي ممتعة وغنية بالتأريخ ولو قال في بدايتها كاتبها أن كل تشابه بينها وبين الحقيقة مصادفة، ففيها الكثير من الحقائق وهي غنية بالتفاصيل، كما وأن للرواية سحر خاص، وتكنيك مميز، وفيها الكثير من التشويق من خلال سرد خاص بأسلوب الكاتب المتمرس الذي يستطيع بكل يسر أن تطيعه الكلمات برسم سلس ووصف بعيد عن التعقيد.

 

ما أردت أن أقوله في هذه المقدمة وقبل الدخول إلى عالم بلد المنحوس، هو أننا أمام رواية مميزة، رشيقة وقوية ولها نكهتها الخاصة، معجونة بالتاريخ وحكايات الجد والجدة، وبساطة أهل البلاد التي استغلها القادمون من بولونيا وغيرها وسرقوا الأرض وما عليها واستوطنوا فيها. رواية أيام النحس التي وقعت على العباد والبلاد.

 

 

تبدأ الرواية بفصل أول، يصف مشهد عكا برجالاتها ونسائها وشبابها، مواقفها وبراءتها وطيبة ناسها وبساطة العيش في زمن مضى، ذلك الزمن الذي كان يخلو من رائحة الاحتلال ومن جاؤوا فيما بعد ليطردوا السكان ويهجروهم إلى شتات طويل، تطل عكا شامخة من أول سطور الرواية، وتفتح نافذة على حياة الناس فيها، وكيف خطط هؤلاء إلى عملية السلب والطرد مطمئنين إلى دعم انكلترا والتزامها بوعد بلفور لهم، كما وأنهم وظفوا كل امكانياتهم وقدراتهم البشرية والاقتصادية، مستغلين تفوقهم في التجارة والأموال التي كانوا يملكونها والتي كانت تشكل نسبة ضخمة مقارنة مع غيرهم. وهنا نجد في ذات الفصل كيف يصف الكاتب مشاهد غاية في الأهمية بحرفية عالية، وكيف خطط كبار المشروع الصهيوني لإنشاء كيانهم في فلسطين، ومن الضروري الإشادة أيضاً بسردية الفكرة على طريقة الكاتب الخاصة، وما فيها من كم معلومات واسع تتسلل إلى القارئ مع كل سطر من السطور. وهي تؤرخ بشكل دقيق لمفاصل الحياة، وتدحض الإدعاء الصهيوني الكاذب، " أرض بلا شعب".

 

طيبة أهل الأرض التي استند إليها بن غوريون وعصابته، وبساطته وتسامح أهل البلاد الأصليين فتحت الشهية لأطماع العصابات التي اتخذت قرارها بالاستيطان في فلسطين، متسلحة بموقف بريطانيا العظمى آنذاك، وهي تندفع بكل الأسباب لكي تخدم مشروعها الذي عقدت العزم على تنفيذه. هنا يبدع الكاتب في وصف المشاهد والحكايات ويربط بينهما بلغة محكية أحياناً ولغة سردية قوية المعنى والصورة، بحيث جاء النص متماسكاً ومتناسقاً مع بعضه، وتابعت فصول الرواية تدرج أحداثها المروية بتفاصيل غاية في الدقة والدهشة. تتنقل بين بولونيا وفلسطين وفصول الحرب وهتلر والنازية والسوفييت وعمليات الاغتصاب والقتل التي جرت في بلاد الثلج والحرب التي ما هدأت حتى نتج عنها الموت والخراب والدمار، ثم يعود بنا كيوان إلى عكا وقراها الجميلة الفاتنة، عشب أخضر وهواء نقي وفراسة الأهل الشجعان. الكاتب سهيل كيوان من خلال روايته بلد المنحوس يفتح مساحات من الذاكرة لأجيال لم تعاصر النكبة، ويعيد من عاصرها إلى ذلك الزمن الجميل الذي انقلب ليصبح رديئاً احين استغل فيه الأغراب طيبة أهل البلد واستوطنوا أرضهم ثم طردوهم منها.

 

"بلد المنحوس" تقرأ فيها تاريخ البلاد وحضارتها، الهاتف والثلاجة وخط المواصلات والميناء والبنك وشركة التبغ وغيرها، وهذا شاهد مهم على أن هذه البلاد لم تكن فقط بها شعب، بل إن بها شعب بنى حضارة، وحضارته تعود إلى الآف السنين، فلم تكن هذه الأرض يوماً منسية، ولم تكن خراباً كما حاول البعض الترويج لكذبة أرض بلا شعب.

 

تأتي الرواية على ظروف الحياة التي كان يعيشها أهل عكا، حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، الوجهاء والتجار والأخيار ورجال الدين، والفنانين والبسطاء، الأغنياء منهم والفقراء، كما وتأتي على بعض الذين ساعدوا الانجليز وخدموهم، وما كان يقدمه الانجليز لمن يساعدهم من خدمات مادية وحماية لهم ولمصالحهم.

 

بلد المنحوس لغتها قريبة من القارئ لهذا تشدك دون عناء، وتأخذك لعالمها الغني بنكهة الماضي، ورصانة ومهابة عكا، ولهذا وجدت نفسي أكتب عنها بكل ما أوتيت من كلام يخرج من القلب دفقة واحدة، ولكنني أعترف أمامكم جمهور القراء، أن عليكم أن تأخذوها إلى وقتكم دون أي التزام مع آخرين، لأنها ستسرقكم من كل مواعيدكم، ولن تستطيعوا الفكاك منها حتى نهايتها.

 

البلاء الاستيطاني الذي جاء من أصقاع مختلفة، واستحل في أرض ليست لهم، وكيف تحولت ميليشاتهم المسلحة وعصاباتهم إلى جيش ومؤسسة، وكيف أقاموا كياناً وكيف أسسوا لهذا الكيان تحالفات اقليمية وأخرى دولية مهم في ذلك الزمن التي بدت فيه تحالفات الدول تتغير، وتسطع دول وتنهار دول، وكيف كان الانجليز يعملون على تنفيذ وعدهم الذي أصدره بلفور، وغيرها من القضايا التي يضعنا أمامها الكاتب في جبلة معرفية وتأريخية بسرد روائي باحث وعميق يدخل في أدق التفاصيل، ويا لها من تفاصيل نحس لأيام النحس في بلد المنحوس.

 

البلاد التي تغير شكلها بعد النحسة، وكيف أيقن اليهود أهمية السطو على كل عكا القديمة، وأن لا يكتفوا ببناء بعض المستوطنات والبيوت الحديثة في الأطراف، سعوا بكل جهد لكي يأخذوا عكا القديمة، ويحولوا اسمها إلى عكو. شاطيء البحر الذي أصبح مختلفاً، وأصبحت الغريبات يستلقين عليه ويتركن أجسادهن للشمس. القرى التي هجر منها سكانها، إفرت والبروة وسمحاتا والدامون وكفر برعم وغيرها من أسماء جاءت في سياق تاريخي وأسلوب روائي ملهماً للذاكرة. يا له من نحس، وكيف تسلل الأغراب واستولوا على الأرض، وحاولوا اقناع البعض الباقي حين رفض الهجرة وقاوم فكرة الرحيل بادعاء أنهم شركاء، فأطلق المحتل العنان لشعارات الديمقراطية والمساواة الكاذبة. وبدؤوا بشكل منظم يسيطرون على كل مفاصل الحياة، وقد جعلوا العرب طبقة دنيا في العمالة بينما اليهود هم في الطبقة العليا، هكذا كانت خطتهم، وهذا ما وصلوا إليه.

 

تعمدت عزيزي القارئ أن أكتب بلغتي لا بلغة النقاد فلست بناقد، ولا أدعي ذلك، لأن للنقاد طرقهم الخاصة، وطرقهم المأهولة بالإحتمالات، الشائكة والساطعة والممتلئة، ولكن كتبت من واجبي كقارئ وجد رواية تستحق بكل ما وجد فيها، من عناصر التشويق، وميكانيكية العمل المتماسك، وسردية الروائي الجميل، وروح الإنسان الذي يدخل في أدق المفاصل، ولهذا أكتب بهذا الاندفاع، وأكتب بكل محبة لرواية تكشف حقيقة ما كان قبل النحس، وما أصبح عليه الحال بعد النحس، في بلد المنحوس.

 

"سهيل كيوان" أيها الكاتب الجميل الذي لا أعرفه عن قرب، ولا أعرفه بتاتاً حتى في عالم الافتراض، وحتى اكتشفت متأخراً أنه ليس صديقاً عندي عبر عوالم التواصل الاجتماعي، من أنت! وأنت تنهل بكل هذه المعرفة الكبيرة وهذه السردية المتأنقة والمتألقة، عن واقع مضى بكل ما فيه من نحس، ومن ظلم تاريخي وقع على أهل بلد النحس.

 

رواية جديرة بلغت هدفها بكل يسر وسهولة على القارئ، ولم تبخل بشيء أياً كان، بأسلوب فاق التخيل، وسرد رزين حفظ للذاكرة مكانتها وهويتها، ودون أي تعدي على الآخر البغيض، الآخر المجرم، الآخر اللعين السفيه. فمن أين جئت بهذه اللغة القادرة على بلوغ هدفها دون تعثر؟!

 

لنا ألف حكاية وفي كل حكاية مدينة منحوسة، وسط هذا التدافع الموغل بالاحتلال والاستيطان والقهر والظلم والمعاناة، من بن غوريون مروراً ب ايزاك وغيرهم، وحتى شلومو الواقف فوق كل ربوة من ربوع بلادنا حتى الآن يسعى لإنشاء مستوطنة أو مستعمرة يثبت بها أحقيته السماوية بهذه الأرض، وصولاً إلى نتنياهو وليبرمان وغيرهم ممن ظنوا بأن الأرض أرض ميعادهم، فكلهم واهمون كاذبون، مصابون بالخرف والمرض، وكلهم مجرمون على ذات الطريق.