عظمة الصين بشعبها

حجم الخط

بقلم رجب أبو سرية

 

 

بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني التي صادفت أمس، لا يمكن تجنب الحديث ولا الكتابة عن هذه الدولة العظيمة، التي انطلقت بشكل حثيث ومتواصل خلال القرن الماضي كمارد من تحت الرماد، وهي التي كانت تعاني من الاحتلال المتتابع لكل من بريطانيا العظمى، ثم اليابان، الاحتلال الذي عاث فساداً في الشعب ثروة البلاد الرئيسية، حين دفعه للإدمان على المخدرات، لشل قدرته على المقاومة وانتزاع التحرر والحرية.
بقيت الصين تحت الاحتلال حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، والتي كانت مناسبة لانطلاق حركة التحرر في طول البلاد وعرضها، والتي ترافقت مع جدل داخلي، تطور باتجاه إضفاء الطابع الشيوعي/الاشتراكي عليها، وهكذا كان، أن انبثق عن تلك الحركة دولتان، إحداهما اقتصرت على جزيرة تايوان، حيث أنشأ الحزب الوطني الصيني «الكومنتانغ» بزعامة تشيان كاي تشيك نظامه الذي تحالف لاحقاً مع الغرب الرأسمالي، فيما قاد الحزب الشيوعي الصيني بزعامة ماو تسي تونغ حركة التحرر في عموم البلاد ليقيم دولة الصين الشعبية، التي أقامت نظاماً شيوعياً، كان مختلفاً عن النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، فبدلاً من الانخراط في منظومة الدول الشيوعية، أقدمت الصين عبر رئيس وزرائها في منتصف القرن الماضي، تشو إن لاي، بالشراكة مع جمال عبد الناصر، واحمد سوكارنو، وجواهر لال نهرو وجوزيف بروز تيتو على إقامة مجموعة دول عدم الانحياز، للحفاظ على استقلال وعدم تبعية الدول المتحررة حديثا من نير الاستعمار، لأحد المعسكرين اللذين ظهرا بعد الحرب العالمية الثانية.
وخلال فترة وجود عدم الانحياز، ظهرت القيادة الجماعية لدوله المؤسِسة، التي لم يسع أحدها إلى زعامة منفردة للمجموعة، وقد يعود ذلك إلى أن هذه الدول كانت قبل سنوات قليلة مستعمرات من قبل دول خارجية، لذا هي التي اكتوت بنار الاستعمار، لم تفكر في ممارسته بحق غيرها، ولأن الصين كرفيقاتها في دول عدم الانحياز، كانت فقيرة بسبب الاستعمار الذي قام بنهب خيرات البلاد، والذي حين طرد منها تركها «خرابة» فقد سارعت حكومة البلاد إلى متابعة طريق التنمية عبر خطط متتابعة، حيث تميز الشعب الصيني بالانضباط وبروح العمل الجماعي، وفي الوقت الذي كان المراقبون يرون في التعداد السكاني الهائل، عقبة في طريق التنمية، حيث لا تتوفر في الصين ثروات طبيعية مثل نفط أو غاز سيبيريا أو الشرق الأوسط مثلاً، جعل الحزب القائد من التعداد السكاني قوة دفع هائلة للتنمية.
بهدوء وبمثارة حثيثة، ودون أن تتدخل في شؤون أحد، لا من الجيران ولا ممن هم بعيدون عنها، انتزعت الصين مكانتها الدولية حين اضطر الغرب إلى نقل العضوية الدائمة في مجلس الأمن من تايوان أو دولة «الصين الوطنية» إلى العملاق الصيني الشعبي، وذلك بعد أن يئس من محاولة إسقاط النظام التحرري الذي وقف سداً منيعاً في مواجهة عودة النفوذ الغربي للبلاد، اعتماداً على نفسه، وليس على دعم الاتحاد السوفياتي أو المنظومة الشيوعية.
ورغم أن الصين امتلكت جيشاً قوياً وقادراً على فرض سيطرته على كثير من دول الجوار، ولو حتى بدافع الثأر من استعمار خارجي كان من قبل للبلاد، إلا أنها لم تفعل أي شيء من هذا القبيل، فلم يذكر التاريخ أنها سعت يوماً إلى احتلال أحد بقوة السلاح، ولا حتى تلك الأراضي التي هي أجزاء من الصين، نقصد تايوان وهونغ كونغ.
انكفأت الصين على ذاتها، بدفع التنمية الداخلية، وحين بدأ الاتحاد السوفياتي في الترنح على وقع ثقل فاتورة الحرب الباردة وسباق التسلح على الاقتصاد، وصولا إلى البيروسترويكا، ومن ثم تفكك الاتحاد وانهيار النظام الشيوعي، الذي أدى إلى انهيار الأنظمة الشيوعية التي ارتبطت به في شرق أوروبا، تماسكت الصين، ولم تصل لها رياح التغيير الغربي، وفي ذلك درس لا بد من تسجيله في التاريخ الحديث، ذلك أن اعتماد الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية على الاتحاد السوفياتي، وليس على مقدرات شعوبها، كان السبب في انهيارها، فيما كان سبب بقاء وصمود النظام الصيني يعود للاعتماد على الذات.
تبدو اليوم تجربة الصين منذ انجاز مهمة التحرر الوطني، ومن ثم مهمة التنمية، فريدة بل ومثالاً يمكن تعميمه، لتحتذي به كل دولة تسعى إلى التحرر الحقيقي من الاحتلال الخارجي، كما هو حال دولة فلسطين، ولكل دولة تحررت شكلياً من الاستعمار، لكنها ما زالت ضمن دائرة نفوذه وسطوته الاقتصادية، كما هو حال معظم الدول العربية والكثير من الدول التي كانت تصنف كدول عالم ثالث.
في ذكراه المئوية ما زال الحزب الشيوعي الصيني يتمتع باحترام وثقة الشعب الذي يقترب تعداده اليوم من مليار ونصف إنسان، والذي يمثل نحو خمس سكان الكرة الأرضية، وبالنظر إلى أن الحزب يضم في صفوفه نحو تسعين مليون عضو، فإن ذلك يعني بأن أعضاء الحزب يشكلون نحو 6 إلى 7 % من عدد السكان، وهذا بالرغم من كون الحزب هو الحزب القائد وليس الحاكم، فإن عضوية الحزب لا تمنح صاحبها امتيازاً خاصاً، بل تفرض عليه التضحية بجهده ووقته من أجل رفاهية الشعب، ورغم ثروة الصين العظيمة، إلا أن الحزب ما زال يعتمد على اشتراكات أعضائه في تمويل نشاطاته العامة، والتي تبلغ نحو 10 يورو سنوياً من كل عضو، أو اقل من مليار يورو سنوياً.
إن تجاوز الحزب الشيوعي الصيني للبيروقراطية، وقيادته للدولة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وتفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم، وواقعيته التي خلطت ما بين قيام الدولة بحماية الفقراء وتقديم الخدمات العامة، وفتح الأبواب للقطاع الخاص، جعل من الاقتصاد الصيني قوة عالمية هائلة، تجاوزت قوة وقدرة الاقتصاد الأميركي حالياً، المعتمد على ثروات البلاد وعلى نهب ثروات الغير، وقوة الاقتصاد الصيني كبحت من جماح التفرد الأميركي، بحيث أن وجود الصين اليوم كقوة اقتصادية وكذلك عسكرية، جعل من الحرب التجارية بديلاً عن الحروب العسكرية السابقة، وهكذا فإن الصين بعظمة شعبها وتجربته الخلاقة، في حقيقة الأمر قدمت خدمة للبشرية كلها، من حيث حمت العالم من فرض السيطرة الإمبريالية الأميركية على بقية العالم، وقد كان إعلان إدارة ترامب الحرب التجارية على الصين، آخر المحاولات الأميركية لإعادة فرض الهيمنة، لذا فإننا في الوقت الذي نهنئ فيه الصين بمئوية حزبها العظيم، نرفع لها ولشعبها القبعة احتراماً وتقديراً.