عن مشروع كونفدرالية يوسي بيلين

thumb (1).jpg
حجم الخط

بقلم أشرف العجرمي

 

 

 

طرح يوسي بيلين الوزير الإسرائيلي السابق، وأحد مهندسي اتفاق «أوسلو»، مع المحامية الفلسطينية هبة الحسيني، قبل حوالى أربعة شهور، مشروعاً سياسياً جديداً يحمل اسم «كونفدرالية الأراضي المقدسة»، بهدف الالتفاف على العقبات والمشاكل التي تعترض العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبسبب عدم وجود مناخ مواتٍ لحل الدولتين التقليدي الذي تتبناه القيادة الفلسطينية.
والتبرير الذي يسوقه بيلين لمشروعه الجديد هو تسهيل الوصول إلى حل الدولتين، وتوفير إطار جديد للتفاوض في ظل الجمود الحالي الذي يسيطر على العلاقة بين دولة الاحتلال وبين القيادة الفلسطينية.
تفاصيل خطة بيلين تتحدث عن إقامة دولة غير كاملة في مناطق (أ) و(ب)، وتوقيع اتفاق على إنشاء كونفدرالية في مدة 30 شهراً، في إطارها يتم حل جميع القضايا الخاصة بالصراع، وفي النهاية ستشمل الدولة الفلسطينية في إطار الكونفدرالية مساحة 22,5% من فلسطين التاريخية. غير أن مسألتَي القدس واللاجئين تحلان بصورة غير منطقية وغير مقبولة على الإطلاق، يجري في إطارها التسليم بالأمر الواقع الاستيطاني الحالي، بل ويتيح توسيع وتعزيز المشروع الاستيطاني. ففيما يخص القدس تطرح الخطة عاصمتين «القدس» و»أورشليم» مفتوحتين بدءاً من البلدة القديمة وانتهاءً بكل فضاء القدس الشرقية والغربية. والأخطر في هذا الموضوع هو عدم تغيير أي شيء في البلدة القديمة والقدس الشرقية، أي عدم إخلاء مستوطنين أو ضمان سيادة فلسطينية كاملة على القدس الشرقية أو أهم أجزائها، بما في ذلك البلدة القديمة.
أما المستوطنون في كل الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة، فيبقون في مواقعهم الحالية إن أرادوا ذلك. ويتم تبادل أراضٍ بنسبة 1:1 في الكتل الاستيطانية الكبيرة، وتبقى المستوطنات الأخرى بما فيها المبعثرة والصغيرة على حالها ولكن تخضع للسيطرة الفلسطينية في إطار وضع خاص. بمعنى أن الدولة الفلسطينية يمكنها أن تستوعب مئات آلاف المستوطنين. وهؤلاء يتم استبدالهم بلاجئين فلسطينيين. أي أن عودة اللاجئين مقتصرة على عدد يماثل المستوطنين الذين يصبحون جزءاً من الدولة الفلسطينية. وبطبيعة الحال هناك سيطرة أمنية كاملة من إسرائيل على أراضي الكونفدرالية، وإطار اقتصادي واحد قد يكون شبيهاً بـ»اتفاق باريس» أو شيئاً محسناً.
وقد قام بيلين بلقاء عدد من القناصل والممثلين الأوروبيين لدى السلطة الفلسطينية وطرح عليهم الفكرة، وربما يكون قد طرح أفكاره على الأميركيين وحظي على ثنائهم. خصوصاً أن الجميع يحاول إيجاد حل لمعضلة الجمود في العملية السياسية والواقع المأزوم في العلاقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والذي ينذر بانفجار قادم قد يكون على درجة كبيرة من العنف.
مشكلة هذه الخطة لا تكمن فقط في أنها تسلم بالمشروع الاستيطاني وتقدم جائزة كبرى له، أو أنها تضيع حقوقنا في القدس الشرقية ولا تصل إلى حل عادل ومنطقي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ولا تراعي حقنا في تقرير المصير والاستقلال، بل هي كذلك تريد حل مشاكل إسرائيل الداخلية على حسابنا مستغلة الوضع المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون في ظل الانقسام الكارثي الذي دمر كل شيء ووضع حقوقنا على طاولة الشطب. فمن الواضح أن الجميع يريد استغلال الوضع الراهن وحالة الضياع التي يعيشها الشعب الفلسطيني المنقسم بين سلطتين وواقعين سيئين.
والسؤال هنا: لماذا يجب أن ندفع نحن ثمن كل ما يجري حولنا؟ فنحن سندفع ثمن أنه لم يعد أحد في إسرائيل يؤمن بحل يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة منذ العام 1967. باستثناء فئة قليلة جداً وغير ذات تأثير. والمشروع الاستيطاني القائم يهدف إلى السيطرة على الأرض، بل والأخطر من هذا هزيمة روايتنا التاريخية بحقنا في هذه البلاد. ومن يريد الآن حل الصراع يفكر فقط في حل مشكلة السكان الفلسطينيين في الضفة على وجه التحديد. ونحن ندفع ثمن كارثتنا الداخلية وغياب الوحدة الوطنية سواء في النضال أو حتى في مشروع سياسي موحد. كما أننا ندفع ثمن انهيار المنظومة العربية التي كانت الحاضنة للكفاح الفلسطيني والداعم والمدافع عن الحقوق الفلسطينية. وفي ظل انتشار وتوسع اتفاقات التطبيع والأحلاف العسكرية والاقتصادية مع إسرائيل لا مكان للقضية الفلسطينية. وندفع كذلك أثمان التطورات الإقليمية والدولية بما فيها الحرب الروسية - الأوكرانية التي فضحت كذب ونفاق العالم الغربي والادعاء بالانحياز  للقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.
وفي عالم اليوم نرى كل الأطراف تبحث عن مصالحها وعن مكان لها في النظام الدولي الجديد الذي هو قيد التشكل ونحن ضائعون، لماذا؟ لأننا فقدنا البوصلة وتحول مشروعنا الوطني إلى أعمال صغيرة ومصالح خاصة لدى غالبية من يرددون الشعارات والمواقف المكررة الممجوجة التي لم تعد تحمل أي مضمون، ومن لا ينتصر لنفسه لا أحد سيهتم به، فلا حقوق تأتي لوحدها أو نتيجة لانحياز البشر للعدالة والإنصاف، بل هي تنتزع بالنضال وبالإرادة الواعية وبمنطق الحق المستند إلى عناصر القوة والعقلانية.