في يوم الشهيد: لا تنزلوا الشهداء من عليائهم!

ريما
حجم الخط

اعتصم الشهداء أمام الاحتفال المنظم بمناسبة إحياء يوم الشهيد، ساد هرج ومرج بين منظمي الحفل، لم يكن أمامهم سوى ولوج فقرات الاحتفال الموضوعة مسبقا. واصل الجميع الإصغاء بانتظار شيء ما يخرج عن المألوف.. وصف الاحتفال بالرتابة والتكرار. غياب الشهداء أحرج المنظمين، ومن أجل إنقاذ المشهد طلبوا من المتحدثين عمل ما بوسعهم للتغطية على غياب المحتفى بهم، حقن الأجواء بالحماس، الاستعانة بالبلاغة والمبالغة، قرع الطبول، النتيجة نزول الشهداء من عليائهم. خالفت وصاحبي قرار الاعتصام، جلسنا على مقعد واحد في زاوية السطر الأخير، كنا معاً نتشارك المقعد والازدواجية، نضحك ونبكي من انفعال الخطباء وصراخهم، بينما المقاعد تصفِّقُ بهدوءٍ صاخب. كان الخطباء يستعجلون النهاية، الإسراع في تسليم الدروع والأوسمة. بضعة كلمات وأسماء.. وعودة الحفل إلى البيت.

عفواً، فقد سهوت عن تفصيل صغير؛ إن الجنود المدججين يقفون بكامل أبهتهم على مسافة قريبة من المكان؛ ينتظرون انفضاض الجمع. خرجنا من القاعة المزدانة بالأعلام والألوان، وكان على الجميع إعادة كل شيء إلى مكانه: إعادة صاحبي تحت طبقة خفيفة من التراب، استعداداً لاحتفالات مماثلة تتكاثر من حولنا، إعادة القصائد إلى دواوينها، الأوسمة والدروع إلى جدرانها، كلمات العرفاء إلى السطور التي انتزعت منها. تصنيف الكلمات وفق إيقاعها، جمل من نمط «ما ضاع حق وراءه مطالب» في صفحة التصعيد اللغوي، وجمل على شاكلة «الشهداء أكرم منا جميعاً»، في صفحة الشهداء ينزلون من عليائهم، وفي نهاية عملية التحنيط، تخصيص ملف خاص بازدواجية الضحك والبكاء؛ تحت اسم «ميلودراما» يوم الشهيد. 

قد يبدو الوصف كارثياً للبعض، وهو كارثي من حيث المبدأ، فالقسمة تواصل مسيرتها نحو التأصيل الثقافي، والتفكيك يصل رويداً رويداً إلى يوم الشهيد، يوم قرر الفلسطينيون فتح صفحة كتابة تاريخهم بأيديهم، والإمساك بناصية قضيتهم وتحريرها من الوقوع في مناورات القبائل العربية وأهوائها، بعد نصف قرن نقتدي بما كرهناه. مهرجان خاص بكل فصيل وقبيلة وعائلة، تكريم انفرادي يغيب عنه الشهداء، مهرجان يصفوه بالمركزي، تكريم مركزي وأوسمة مركزية. يعتصم مقابله الشهداء بحبل الوحدة، بتحريض سافر من قلمي. الأسئلة المفتوحة على مدياتها: التدقيق في إحياء المناسبات الغالية؛ لماذا نحتفل وبمن نحتفل. المنظمون والمتعهدون لا يسألون أنفسهم أية أسئلة، لا يدركون حجم التغيرات والتحولات الجارية في المجتمع.

إنهم يحولون الطقوس المقدسة إلى كرنفالات فولكلورية معزولة عن الحالة العامة وبيئتها المضطربة، فينزل الشهداء من عليائهم؛ ضمن خيارات عديدة مطروحة في أسواق السياسة. لقد تغير الزمن الذي كنا لا نفكر فيه بآلية استنشاق الهواء! شهداء الهبة يطرحون الأسئلة الصعبة، سؤال التوقف عن السباحة ضد التيار! فالتيار تركنا وابتعد عنا ناشداً الحرية في مكان بعيد. سؤال التوقف عن القبض على الجمر، هل انطفأ الجمر في قلب من نفخ الشعلة، لم يعد ثمة رغبة في القبض على جمرة الفكرة، وما دام الأمر كذلك، فليترك منظمو الاحتفالات الانفعالية احتفالات الشهداء.. لمن يقبض على زمامها، وتحرقه نارها.