على إسرائيل أن تقلق على مستقبلها

WptCE.jpg
حجم الخط

بقلم رجب أبو سرية

 

 

 


في فيلم «مملكة السماء»، حين حاصر صلاح الدين مدينة القدس، وصار جلّ طموح الأمير الصليبي «باليان» الخروج بالمدنيين الصليبيين، وهم أشبه ما يكونون بالمستوطنين اليهود اليوم، فاوض صلاح الدين، فعرض عليه خروج النساء والأطفال والجميع آمنين نحو البحر، أي على طريق مغادرة فلسطين والعودة لبلادهم، بل إنه ترك حياة الملك يومها، عدو باليان جي دي لوزيان، لباليان، ولحظة قال باليان لصلاح الدين إن المسلمين، لا ينسون بعد مئة سنة اليوم ما فعلوه بهم حين احتلوا المدينة، رد عليه قائلا إنه صلاح الدين، فوافق وتم الأمر هكذا.
من الصعب التوقع بأن تبقى إسرائيل في القدس وفلسطين مائة سنة أخرى، كما فعل الصليبيون، لكن هل سيكون يوم أن يدخلها صلاح دين آخر، هناك رجل يهودي مثل باليان، يقاتل من أجل الإنسان وليس من أجل الحجارة واللاهوت والمعتقد، فيجنب «شعبه» المذبحة، ثم أليس الأمر جديراً بأن يتم تجنب ذلك المآل اليوم، أم أن «تاريخ الصليبيين» في فلسطين سيكرر نفسه مع المستوطنين؟!
وبعد أن كان الملك المصاب بالجذام قد عقد صلحا مع صلاح الدين، جرّه المتطرفون، خاصة حاكم قلعة الكرك رينو دي شاتيون، وهذا وفق رواية الفيلم الأميركي المنتج العام 2005، إلى الحرب التي وقعت في نهاية المطاف وعجّلت من لحظة تحرير فلسطين والقدس من الاحتلال الصليبي الذي مكث فيها 200 سنة، بسبب التطرف الديني لملوك وأمراء بحثوا عن الثروة في الشرق.
سيقوم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بالدور الذي قام به حاكم الكرك الصليبي، أما نتنياهو فسيكون أشبه بجي دي لوزيان، الذي ورث العرش بعد موت الملك بلدوين مصابا بالجذام، فقط لأنه زوج أخته التي صارت هي ملكة لمملكة القدس بعد موت أخيها، وحتى يعيد التاريخ نفسه قريبا جدا، يحتاج فقط إلى صلاح دين على الجانب المقابل ! وصلاح الدين الفلسطيني أو العربي أو حتى المسلم، قد لا يكون فردا، ولا حتى ملكا أو رئيسا، بل قد يكون شعبا أو أمة أو حتى جماعة، وحينها فقط كل ما يمكن أن يأمل به كل من هو إنساني أن يتم تجنيب البشر المذبحة، وأن يتم خروج المستوطنين والاحتلال بأقل الخسائر في الأرواح على الجانبين.
وحقيقة الأمر أنه خاصة في الصراعات، يمكن للتطرف أن يشعل الحريق بأبشع مما يأمل أو حتى يتصور الناس، ذلك أن التوتر قائم بسبب الاحتلال، والصراع موجود، وهناك مشكلة حقا، والعقل وحده يمكنه أن يتوصل مع الجهد الحثيث والمتواصل إلى حل لها، أما الجنون فإنه قد يضع للمشكلة حدا، لكن مع ثمن باهظ على الجانبين.
وحل مشكلة التطرف تكون مسؤولية من كانت على جانبه، فمعالجة التطرف الإسرائيلي هي مشكلة إسرائيل، وعلى عاتق الإسرائيليين وضع حد لها، ولا من عمل يتوجب على الفلسطينيين القيام به، إلا أن يرفضوا ذلك التطرف، وأن يقاوموه بكل السبل والوسائل الممكنة، والكارثة تكمن في أن يطالبهم أحد، خاصة من الجانب الإسرائيلي، بتقديم التنازلات للتطرف الإسرائيلي، لإرضائه أو تجنب شره، فذلك يؤدي إلى النتيجة العكسية تماما، وأكثر من ذلك يمكن القول، إن التطرف الإسرائيلي متواصل التصاعد منذ أكثر من ربع قرن، حتى وصل الآن إلى ما هو أكثر من التطرف، العنصرية والفاشية.  
لماذا نقول على إسرائيل أن تقلق على مستقبلها جديا، ذلك أن ما ورد على لسان باليان في فيلم مملكة السماء (the kingdom of heaven) نجد اليوم ما يؤكده في كل أرجاء الوطن العربي، ولم يمضِ على وجود إسرائيل سوى أكثر بقليل من سبعين سنة، وعلى احتلالها القدس أكثر قليلا من خمسين سنة، وأكثر من 400 مليون عربي ونحو مليار ونصف المليار مسلم يشاهدون بكل وسائل الاتصال العالمي من فضائيات وإنترنت مشاهد القتل اليومي بحق إخوتهم الفلسطينيين، ويرون بأم أعينهم كل يوم اقتحامات المتطرفين اليهود لمساجدهم في القدس والخليل ونابلس، وهذا يعني أن الغضب يختزن في صدور وقلوب ونفوس مئات ملايين العرب والمسلمين، وأن المحتلين لن يجدوا المواطنين العرب والمواطنين المسلمين على شاكلة حكامهم من ملوك وأمراء ورؤساء أبدا.  
ومن أجل التذكير وحسب، نضع أمام عقول من كان على شاكلة باليان من الإسرائيليين، ما حدث قبل أيام في قطر، حيث أكد المواطنون العرب وحتى مواطنو العالم المسالمون، الذين جاؤوا من أجل مشاهدة كرة القدم، كم هم يكرهون الاحتلال الإسرائيلي وكم هم غاضبون بسبب ما تقوم به إسرائيل من تنكيل ببلاد وعباد فلسطين، ولقد أشار الباحث الإسرائيلي د. ميخائيل ميليشتاين في مقالة كتبها في «معاريف» مؤخراً، بعد انتهاء مونديال قطر، بأن البطولة ظهرت محاطة بشاعر الأخوة العربية، حيث شجع المواطنون العرب المنتخبات العربية دون استثناء، وأظهروا اختلافهم عن حكامهم، أي دون أنانية ودون خصومات أو صراعات داخلية ومصالح ضيقة، لدرجة أن الباحث الإسرائيلي وصف الصورة التي ظهر عليها المواطنون العرب بأنها عودة لروح الوحدة العربية لكن محدثة بطراز 2022.  
وأشار إلى الفرحة العربية العارمة في كل مكان من الوطن العربي بوصول المنتخب المغربي للمربع الذهبي، والى حقيقة أن فلسطين كانت حاضرة، كما لو أنه كان لها منتخب قد وصل النهائي، فالجميع رفع علم فلسطين، والكل ردد اسمها، وكل من التقى صدفة أو بهدف إعلامي بإسرائيلي، مواطنا أو صحافيا، قاطعه، وعبّر له بكل وضوح عن عدم تقبل وجود إسرائيل خاصة كدولة محتلة، تمارس إرهاب الدولة كل يوم بحق الشعب الفلسطيني.
وكما سار اليمين والتطرف الإسرائيلي على الطريق الخطأ، وأغراه التطبيع مع الحكام العرب، بمواصلة مسار تجاهل الحق الفلسطيني في الحرية والاستقلال، كلما ظهرت الحاجة لأن يرد عليه المواطنون العرب بما يوقظه من غفلته، فاليوم خرجت 30 مدينة مغربية ترفع علم فلسطين وتحتج على التطبيع بمناسبة مرور عامين على توقيع اتفاقية التطبيع المشؤومة بين النظام المغربي وحكومة اليمين الإسرائيلية، وهكذا كلما أخفض الحكام العرب من حائط صدهم لإسرائيل، ارتفعت عقيرة وهامة الشعوب العربية للرد الحقيقي والمناسب على الاحتلال الإسرائيلي.  
وحيث إن الأحداث السياسية مترابطة بعضها ببعض، كما لو كانت حلقات في سلسلة واحدة، بل إن الأحداث الداخلية والخارجية تؤثر إحداها في الأخرى، فإنه يمكن القول إن ما أظهره النظام العربي من استرخاء وانهزام أمام التوغل الإسرائيلي الذي لا يكتفي باحتلال فلسطين، ويطمع في كل خيرات ومقدرات العالم العربي، كلما تطرف الإسرائيليون وصاروا أكثر جشعا وتعنتا ورفضا لإنهاء احتلالهم لأرض دولة فلسطين، والتوقف عن قهر الشعب الفلسطيني، وهذا ما حدث خلال عامين مضيا بعد توقيع اتفاقيات «أبراهام» على عكس ما قال به حكام التطبيع العرب، الذين أظهروا لإسرائيل بيمينها وتطرفها، ما هو أكثر من العلاقة العادية، أظهروا لها حبا وشغفا، كما لو كانوا عملاء لها، مع أن المسؤولين الإسرائيليين ليسوا مثلهم، بل إنهم مجرد أفراد يؤدون وظيفتهم، ولا يحكمون بإرادة شخصية مطلقة، وبعد أن كان في الحكم قبل عامين الليكود والبيت اليهودي وإسرائيل بيتنا، صار فيه اليوم الليكود وبن غفير وسموترتش.  
وإسرائيل هذه صارت خطراً على اليهود الإسرائيليين أنفسهم، بعد أن ذهبت نحو دولة الشريعة كما يقول أفيغدور ليبرمان، أو دولة «الهالاخا»، دولة اليهود الأرثوذكس، لذا فقد بدأ اليهود الأميركيون برفض هذا التحول، كما بدأت التظاهرات تخرج للشوارع في حيفا وتل أبيب، في محاولة لمنع سقوط إسرائيل تماما بيد التطرف الديني والقومي، الصهيوني الحريدي، الذي جرّها اليمين الليكودي بالتدريج له خلال ثلاثين عاما من حكمه المتواصل لإسرائيل.