هارتس : يتجاهلون برميل البارود في الضفة وفي غزة منذ خمسين عاماً

images.jpg
حجم الخط

بقلم: نوعا لنداو

 



على بعد سنوات كثيرة ترسخت حرب فيتنام في وعي الكثيرين من أبناء جيلي رمزا لحرب مؤلمة وفاشلة بشكل خاص.
مكنت الظروف التي أدت إلى غرق الولايات المتحدة في المستنقع الفيتنامي من الفهم بعد ذلك بمساعدة شروحات نظرية الدومينو وعقيدة ترومان. ولكن من أجل الفهم حقا وبشكل معمق من ناحية عاطفية، أسباب هذه المأساة، بالأساس استمرارها الحازم الذي يظهر اليوم مثيرا للاستغراب، يجب أيضا فهم النفسية الأميركية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
اعتقد الكثيرون في حينه، من أعماقهم، بأن خطر انتشار الشيوعية هو إعادة بث لخطر النازية، الذين يجب عليهم إنقاذ العالم من هذا الشر، ويفضل أن يكون ذلك في أسرع وقت وبتصميم أكبر.
الأمة هي إجمالي الذاكرة الجماعية بأجزائها، بالأساس الصدمات والمخاوف المشتركة.
هذا بالطبع أيضا في إسرائيل. حرب "يوم الغفران"، التي ترسخت على أنها الحرب الأكثر إيلاما وصدمة في الذاكرة الجماعية، أدت مع مرور السنين إلى ترسخ مفاهيم عامة، تؤثر الآن بشكل عميق على رؤية الواقع.
يبدو أنه في أوساط قسم كبير من الإسرائيليين فإن الدروس الرئيسة التي تم استخلاصها هي دروس عسكرية.
معظم الخطاب حول السنة الخمسين للحرب ما زال يرتكز إلى مسألة الفشل الاستخباري. ولكن في أوساط قسم آخر، الذي يسمى الوسط – اليسار، فإن النموذج الذي ترسخ درساً رئيساً من حرب "يوم الغفران" يتعلق بالرفض القاطع عشية الحرب للسعي إلى التوصل إلى اتفاق سلام مع العالم العربي، وعلى رأسه مصر.
أجزاء في هذا المعسكر ترى حتى الآن في غولدا مئير الرمز المطلق للغطرسة القومية التي أدت إلى الكارثة، بمساعدة الاعتقاد الأعمى بالتفوق العسكري على حساب التسوية السياسية، وتطبق هذه الرؤية على الواقع الحالي.
بسبب إضاعة هذه الفرصة التاريخية كما يبدو، الذي منع عقد اتفاق سلام مع مصر في وقت أبكر، فإنهم غير قادرين على عدم تأييد أي اتفاق سلام مع دولة عربية، بصورة شبه آلية، وهذه المرة حان وقت السعودية.
رغم أن الحديث لا يدور عن سلام، لأنه لا توجد حرب، بل عن إعطاء شكل علني لعلاقات التطبيع التي هي في الأصل توجد فعليا، ودون فحص التأثيرات الأكثر تعقيداً على المدى البعيد التي يمكن أن تكون لمثل هذه الاتفاقات على التوصل إلى السلام الحقيقي والمأمول مع الفلسطينيين.
في المقابل، تتم ملاحظة بعض التغييرات الأولية أيضا في هذا المفهوم. في الجولة الأولى من "اتفاقات إبراهيم" فإن الوسط – اليسار كان أكثر سذاجة، وسارع في معظمه إلى تبني الصفقة، من خلال الاعتقاد بأن "إلغاء خطة الضم" سيساعد أيضا أمام الفلسطينيين.
عمليا، من الواضح الآن أن الاتفاقات مع الإمارات والبحرين والمغرب لم تمنع إقامة الائتلاف الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، ولم تمنع جموح الكهانية في "المناطق"، وحتى لم تمنع تعميق خرق الوضع الراهن في الحرم.
يمكن مد خطوط كثيرة متوازية بين الأعوام 1973 – 2023، لكن من المحظور استنساخ دروس الماضي مع تجاهل السياقات الجديدة. فإسرائيل ليست إسرائيل، والسعودية ليست مصر، والشرق الأوسط ليس الشرق الأوسط ذاته، والاتفاق الذي استهدف كبح المشروع النووي الإيراني لا يشبه الاتفاق الذي يمكن أن يسمح بوصول السعودية إلى الذرة، وكلمات "سلام" و"عرب" يجب ألا تصبح تعويذة عمياء تفعل فعلها بالذين يعتبرون السلام الحقيقي أمرا مهما. وربما هناك في الواقع يوجد درس واحد مشابه: أيضا في 2023 هناك من يعتقدون أنه من الممكن أن نتصافح في البيت الأبيض مع تجاهل برميل المواد المتفجرة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكنهم لم يلاحظوا أنه ربما في هذه المرة قد يكونون هم الذين يلعبون دور غولدا مئير.

عن "هآرتس"