مكانة الحل الفلسطيني على أجندة التطبيع السعودي

08131783070030779318284182254500.jpg
حجم الخط

بقلم نبيل عمرو

 

ما يزال... يدور نقاش واسع النطاق، حول مسألة التطبيع السعودي الإسرائيلي، ولا يخلو هذا النقاش من الشأن الفلسطيني، هل هو أساسي في أمر التطبيع؟ أم أنه أقل من ذلك؟.


التطمينات السعودية للفلسطينيين في اللقاءات المباشرة وفي التصريحات الرسمية، تشير إلى أن الحل وفق المبادرة العربية للسلام، وبإتجاه حل الدولتين، هو في صلب العملية، ويدعم ذلك تصريحات أمريكية على مستويات عدة بهذا المعنى.


إلا أن لإسرائيل قولاً آخر تسعى من خلاله إلى إظهار الموضوع الفلسطيني، على أنه ليس أساسيا في العملية، حتى ذهب كثيرون إلى اعتباره عبئاً على التطبيع، يجري نقاش حول كيفية التخلص منه!!


ونظراً إلى أن عملية التطبيع، ما تزال في إطار المفاوضات بين الأطراف الثلاثة المعنية، فإن التقديرات المسبقة للنتائج تظل مجرد اجتهادات، وهذا يطرح للنقاش سؤالا جوهريا بالمقابل، وهو.. هل القضية عبء على السعودية أم رصيد؟ المحرضون، الذين يدفعون إلى التخلي السعودي عنها، ذهب بهم الشطط، حد اعتبار الشعب الفلسطيني عبئا ثقيلاً على المملكة، وأن ما تقدمه لهذا الشعب من دعم مالي وسياسي لا لزوم له، وأن الشعب السعودي أولى به. وذروة ما وصل إليه الشطط في هذا الاتجاه مقالٌ نشر على هيئة رسالة إلى الأمير محمد بن سلمان، خلاصته: أن من مصلحة المملكة تجاوز الشأن الفلسطيني والذهاب إلى التطبيع مع إسرائيل من دونه، مع تبريرات انطوت على إهانة للشعب وتضحياته بما صُوّر أن ما يقدم له مجرد عمل خيري يقابل .. بعقوقٍ وإنكار!


السياسة السعودية تجاه الفلسطينيين منذ بداية نكبتهم حتى بداية الحديث عن التطبيع مع إسرائيل، كانت سياسة موضوعية تمليها المصالح السياسية والأخلاقية والمعنوية للدولة الكبرى. وإذا ما اعتبر ذلك هدراً ودعماً في غير محله، فهذا أمر ينطوي على إساءة بالغة للمملكة، وكأنها ترتجل سياساتها، بما يخالف مصالح شعبها فللمملكة أيادٍ بيضاء تجاه الفلسطينيين لا تُنكر، ولا يقللَ من شأنها وللفلسطينيين إسهام في البناء، لا تنكره المملكة منذ بدايات تأسيسها حتى أيامنا هذه...


كان الملك سلمان أطال الله عمره، المسؤول المباشر عن دعم الفلسطينيين، شعباً وقضيةً وثورة، فهو لم يتعامل يوما مع الفلسطينيين، كمتسولين أو متطفلين، بل تعامل معهم بكل احترام ومسؤولية، فاتحاً أمامهم أبواب المملكة للعمل، وللمساهمة مع أشقائهم السعوديين في جميع المجالات. وتشاء الأقدار أن يُفتح ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي والملك سلمان في موقعه وعلى موقفه، ونجله المكلّف من قبله يقود بكفاءة عالية أهم عملية تغيير وتطوير سعودي داخلي، وبذات القدر من الأهمية يدير سياسة فعالة على مستوى الإقليم والعالم.


إن ما يجري في الغرف المغلقة، لا يزال مُلكا للجالسين فيها، إلى أن تعلن الخلاصات رسميا، إما بالاتفاق أو الافتراق.


مسألة يتعين الانتباه لها، قبل الإعلان النهائي، هي أن ما يقال عبر وسائل الإعلام، وخاصة من قبل إسرائيل، ليس موضوعياً، بل موجهاً لخدمة أجندتها القائمة على مبدأ أن تأخذ الكثير مقابل أن تقدم القليل، دون أن تُفارقها رغبةُ أن لا تقدم شيئاً!


يتساوق مع الاجندة الإسرائيلية في هذا الاتجاه، بعض الأصوات وإن كانت قليلة، تروّج لفكرة أن القضية الفلسطينية عبء على السعودية، يتعين عليها أن تتخلص منه، بالذهاب قدماً في عملية التطبيع حتى لو تطلب الأمر شطب القضية عن الاجندة، ويقال لتبرير ذلك أنها قضية صعبة ومعقدة، وأن التمسك بها يحول دون تحقيق مصالح سعودية خاصة، هي السبب الجوهري كما يقولون لفكرة التطبيع من أساسها.


وهذا يجعلنا نضع الشأن الفلسطيني في مفاوضات التطبيع الثنائية والثلاثية الجارية الآن ، في وزنه ومكانه الصحيح، ويسيء كثيراً للمملكة اعتباره عبئاً يتعين التخلص منه، فهو في واقع الأمر، ورقة من عيار ثقيل، تتسلح بها المملكة بما يوفر لها قوة إلى جانب قوتها الذاتية، المتكاملة مع تحالفاتها العربية والإسلامية و الدولية ، التي ترى أنها قضيةٌ أساسية تَضغط بها أكثر بكثير، مما يُضغط عليها بها، فالمملكة صاحبة المبادرة العربية للسلام، لا تنفرد بموقف مختلف عن مواقف أشقائها العرب والمسلمين، ولا تخالف الاجماع الدولي المتعلق بالقضية الفلسطينية، بل تعمل بالانسجام معه ووفق محدداته السياسية والأخلاقية ونصوص قراراته الواضحة في هذا الاتجاه.


المملكة وهي تضع الشأن الفلسطيني في قلب أجنداتها هي دولة حديثة تصنع سياساتها بوسائل حديثة كذلك، تدرك المغزى التاريخي والاستراتيجي لكونها تعمل على تسوية ترضى عنها، ويرضى عنها أشقاؤها العرب والفلسطينيون، وكل العالم.


تسوية لمأساة طويلة الأمد وحيال خصم يمارس أبشع الجرائم ضد الإنسان الفلسطيني وحقوقه وممتلكاته بما يمس بالسوء حاضره ومستقبله.


حكاية المملكة مع الفلسطينيين هي حكايتها مع كل الشعوب التي قدمت لها الكثير على مدى عقود. وحسبنا بل ويرضينا التفسير السعودي المعلن دوماً لعلاقة المملكة بالقضية الفلسطينية، حيث قال كل الملوك "أنهم يعملون بوصية المؤسس الملك عبد العزيز رحمه الله، تجاه فلسطين وقضيتها وشعبها"


المملكة التي تتبوأ مكانتها الحقيقية في الحياة الدولية، كقوة أساسية، تدرك أهمية القضية الفلسطينية، ولا تراها عبئاً عليها، وكل ما تفعله السعودية يقطع بذلك.