رفح ... وقد بلغت القلوب الحناجر لا تقل بأنك لم تكن تعرف!

تنزيل (9).jpg
حجم الخط

بقلم زياد ابو زياد

أخطر ما يحدث للحرب على غزة من الناحية الإعلامية هو أن تتحول أخبارها الى روتين يتكرر بشكل يومي، مما يُفقد وسائل الإعلام اهتمامها به لأن طبيعة العمل الإعلامي هو البحث عن الجديد، عن الأخبار المثيرة الدراماتيكية. وأخبار غزة أصبحت مسلسلا ً لنفس المشهد: قصف، مذابح، دمار وجوع، وللأسف الشديد فإن كل هذه الأعمال المُفزعة لم تعد تحتل العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام، واحتلت مكانها أنباء التحركات واللقاءات السياسية المتعلقة بصفقة الرهائن وكأن المئة وثلاثين رهينة إسرائيلية او الأسرى الفلسطينيين الذين سيتم تبادلهم مقابل الرهائن الإسرائيليين أهم من عشرات الآلاف من القتلى وأهم من الآلاف الذين ما زالوا تحت الأنقاض وأهم من آلاف الأطفال الذين يتضورون جوعاً وعطشاً أو آلاف الجرحى الذين يتفاقم وضعهم الصحي وآلامهم اليومية لافتقارهم للدواء أو العلاج أو العمليات الجراحية الملحة.


من الصعب تخيل الوضع المأساوي في القطاع، والذي لم يعد يتصدر وسائل الإعلام التي استعاضت عن تغطيته بالانشغال بالتحليلات السياسية والتوقعات المستقبلية ممن يسمون بالخبراء في الشؤون الإسرائيلية أو الاستراتيجية أو المحللين السياسيين.


وعلى أية حال فإنني وبحكم بعض علاقاتي الاجتماعية مع أصدقاء في القطاع أجدني على تواصل يومي معهم مرهون بوجود إمكانية تواصل أم لا، لأن حجب الاتصالات التلفونية عن قطاع غزة بات جزءاً من الحرب والهجوم على غزة يُقصد منه التعتيم على ما يدور في القطاع لكي يخلو الجو للمهاجمين لارتكاب جرائمهم في ظلمة التعتيم الإعلامي وبعزلة عن الرأي العام الدولي.


ما أسمعه اليوم من أصدقائي في رفح يشبه الحديث مع محكوم يجلس على كرسي الإعدام ينتظر أن يهوي به في أي لحظة ليظل معلقا على حبل المشنقة. ولا شك بأن انتظار الموت مع عدم معرفة في أي لحظة سيأتي هو أصعب من الموت ذاته.

 

 وهناك اليوم أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في مدينة رفح ومحيطها يترقبون ما سيحدث لهم في أية لحظة، لا يعرفون للنوم طعماً بعد أن لم يعد للكثيرين منهم طعاماً يتذوقون، والأعصاب تحترق وقد زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.


كيف يمكن في مطلع القرن الحادي والعشرين، عصر الرقمية أن يقف العالم متفرجاً على حرب إبادة لشعب بأسره، لا يحرك ساكناً لوقف حرب الإبادة وأقصى ما يمكن أن يصدر عنه هو بعض التصريحات الباهتة التي تساوي في معظمها بين الجلاد والضحية.


وحرب الإبادة هذه تتم فقط لإنقاذ قائد سياسي ذي فكر أيديولوجي ظلامي هارب من ملفاته القضائية، لجأ الى أحضان حلفائه من اليمين المتطرف الذي تسيطر عليه الهواجس المشيخية، يطمع متوهماً بأنه يستطيع أن يعيد عجلة التاريخ ثلاثة آلاف عام الى الوراء.


رفح الآن تحت فوهة البندقية المسعورة المهزوزة من داخلها التي تحاول أن تبطش بوحشية لتقنع نفسها بأنها ما زالت تسيطر على الموقف، وقد فقدت تلك السيطرة منذ اليوم الأول لهذه الحرب حين هاجمت الحجر والشجر واتخذت من هدم العمارات السكنية على رؤوس سكانها المدنيين العزل الأبرياء هدفاً لها بعد أن عجزت عن الوصول الى المقاتلين الذين ألحقوا بها إهانة الانكسار في حرب لم تدم سوى يوم واحد هو السابع من أكتوبر 2023.


لقد فقدت القيادة الإسرائيلية صوابها بعد أن فشلت وعلى طول أربعة أشهر من الحرب المدمرة التي استخدمت فيها أحدث ما في الترسانة الحربية الأمريكية والأوروبية من وسائل القتل والدمار، في تحقيق الهدف الذي وضعته لنفسها: القضاء على حماس وتحرير الرهائن، فلم تستطع القضاء على حماس وقتلت العديد من الرهائن الإسرائيليين بدل انقاذ حياتهم.


وفي أجواء هذه "الوكسة" لا يستبعد المرء أن ترتكب حماقة اجتياح رفح وقتل المزيد من آلاف الفلسطينيين لتروي غليل المتعطشين للدم الفلسطيني دعاة الكراهية والحقد العرقي من غلاة المتطرفين الإسرائيليين، ومع ذلك فإنها لن تحقق أياً من هذين الهدفين: فالرهائن لن يخرجوا أحياء من هذه الحماقة، وحماس لن تموت حتى لو تم قتل أبرز قياداتها، لأن مقاتلي المقاومة بما في ذلك حماس سيجدون طريقهم الى الشمال وسيبقون يقارعون إسرائيل في حرب عصابات قد تستمر سنين طويلة الى أن تنتصر، ولأن فكرة رفض الاحتلال ومقاومته لا تقتصر ولن تقتصر على حماس بل هي حالة ذهنية لشعب مقهور مظلوم مصرّ على التحرر والعيش بكرامة، وستزداد اشتعالاً وستتغذى من مشاعر الغضب والحقد الذي ستحمله الأجيال الفلسطينية القادمة التي تخرج من رحم هذه المعاناة العظيمة الأليمة.


الأبواب مشرعة على كل الاحتمالات. قد ترتكب إسرائيل تلك الحماقة، وقد ترتكب بعضاً منها، وقد نفاجأ بوقف للقتال، ولكن كل تلك الاحتمالات ستبقى مفتوحة تنزف الى أن يتحقق الهدف الرئيسي الذي قامت المقاومة من أجله: تحرير الأرض وإقامة الدولة وتمكين الانسان الفلسطيني من العيش بأمن وسلام واستقرار بعد هذا الثمن الباهظ الذي دفعه ويدفعه.
حرب الإبادة التي نواجهها اليوم هي بدون أية مبالغة: محرقة القرن الحادي والعشرين ووصمة عار على جبين من صمتوا على المحرقة الأولى في القرن الماضي وأسسوا للصمت على المحرقة الثانية التي يعيشها شعبنا اليوم وهو يصرخ أمام كل ضمائر العالم: لا تقل أنك لم تكن تعرف، بل ها أنت تعرف أن محرقة جديدة تُرتكب وأنت للمرة الثانية تلوذ بالصمت المخزي.


الحرية والكرامة لفلسطين وشعب فلسطين.