الضربة الإيرانية ذريعة نتنياهو لمواصلــة الـعـدوان علــى غـــزة

BGh5Q.jpg
حجم الخط

الكاتب: طلال عوكل

 

من الطبيعي أن يختلف الناس في تقييم الضربة الإيرانية لإسرائيل. هي فرصة للذين صمدوا في مواقفهم وتحليلاتهم الاتهامية لإيران و»محور المقاومة»، فاعتبروا الردّ الإيراني مجرّد ردّ استعراضي، متّفق عليه مسبقاً مع الولايات المتحدة الأميركية، وبعلم إسرائيل وذلك بهدف التشكيك في مدى جدّية إيران و»محور المقاومة».
يلتقي هؤلاء عملياً مع الرؤية الأميركية، التي ترى أنّ إيران استجابت للموقف الأميركي الرافض لتوسيع دائرة الحرب.
وفي المقابل يرى آخرون أنّ الردّ الإيراني ينطوي على تغيير مهم في قواعد الاشتباك، نحو مغادرة حرب الظلّ إلى الاشتباك المباشر، وأنّ اختراق تلك القواعد من قبل إيران يعني أنّ على إسرائيل أن تحسب خطواتها حين تُقدم على تكرار ما كانت تفعله ضدّ إيران سواء في سورية، أو في الداخل الإيراني.
مثل هذا التحوّل يجيب عن أسئلة المشكّكين في السياسة الإيرانية التي يتهمها البعض بالتعامل مع إسرائيل من خلف الستار، ومعها تتقاسم الأدوار والمصالح.
الولايات المتحدة كرّست جهوداً دبلوماسية جبّارة قبل وقوع الضربة الإيرانية من أجل تخفيف حدّتها وبما لا يؤدّي إلى توسيع دائرة الحرب في المنطقة.
هذا يعني أنّ الإدارة الأميركية على علم بحجم الضربة وتوقيتها.
وكانت تفضّل لو أنّ إسرائيل توافق على الشرط الإيراني بالامتناع عن الردّ على قصف قنصليتها في دمشق، في حال الإعلان عن وقف الحرب على قطاع غزّة.
غير أنّ الإدارة الأميركية تدرك أنّها غير قادرة على إلزام إسرائيل بالاستجابة للشرط الإيراني، ولذلك اتّبعت الخيار الثاني.
تعرف الإدارة الأميركية أنّ إسرائيل لن توافق على وقف الحرب، وإلّا لكانت إسرائيل وافقت على صفقة التبادل التي يضع بنيامين نتنياهو العصي في دواليبها.
بموازاة الوقائع التي تؤكّد رفض نتنياهو و»مجلس حربه» وحكومته الفاشية لوقف الحرب، كانت التسريبات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية عن أشخاص في الوفد المفاوض، تشير إلى أن نتنياهو لا يرغب، بل إنه يعطّل إمكانية التوصل إلى صفقة، كان يمكن التوصّل إليها قبل شهرين وفق تلك التسريبات. تتحدث التسريبات عن أن نتنياهو كان يعطي الوفد صلاحيات في الصباح وفي المساء يقوم بتعطيلها.
الإدارة الأميركية، بالرغم من خلافاتها المعلنة وغير المعلنة مع نتنياهو وحكومته، عادت وجرّدت كلّ إمكانياتها العسكرية، واستقدمت قطعاً بحرية وطائرات من خارج المنطقة إلى سواحل «المتوسّط»، دفاعاً عن إسرائيل، وعادت لنغمة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، والتزامها الصارم بأمن الدولة العبرية.
ثمة اختلاف في أرقام الصواريخ والمسيّرات التي أطلقتها إيران وحلفاؤها، لكن المؤكّد أنّ الدفاعات الأميركية لعبت دوراً مهماً في التصدّي، وأنّ معظم الصواريخ والمسيّرات جرى اعتراضها قبل أن تصل إلى أهدافها.
برأيي أنّ مسألة وصول الصواريخ والمسيّرات إلى أهدافها، وحجم الخسائر الإسرائيلية، ليس هو الأهمّ في الواقعة، ولا يفيد إسرائيل كثيراً التبجُّح بأنّ دفاعاتها الجوية والأرضية استطاعت اعتراض تلك الصواريخ والمسيّرات.
وفق تقييم الإدارة الأميركية، وهو تقييم مبالغ فيه، وينطوي على أبعاد استدراكية، فإنّ الضربة الإيرانية فشلت وإن بإمكان إسرائيل أن تعلن الانتصار.
ربما اعتقد جو بايدن أنّ مثل هذا الانتصار من شأنه أن يقنع نتنياهو بأنه ليس مهزوماً، وأنّ عليه الاستجابة للرؤية الأميركية، وتصحيح المسار الذي اختاره وحكومته.
تنصح الإدارة الأميركية حليفتها إسرائيل بعدم الردّ على الضربة الإيرانية، حتى لا يؤدّي الردّ إلى ردّ وجرّ المنطقة إلى حرب إقليمية.
إيران هي الأخرى ليست معنية بتوسيع دائرة الحرب إلى حرب إقليمية. لكن ردّها على إسرائيل ينطوي على رسالة قوية بأنّها جاهزة للتعامل المباشر بقوة.
في حال اختارت إسرائيل طريق التصعيد. ينبغي ألا يستهين أحد بأنّ إطلاق هذا الكمّ الكبير من الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل يشكّل حدثاً غير مسبوق في حروب إسرائيل مع الجيوش العربية، بما في ذلك الـ 39 صاروخاً التي أطلقها الجيش العراقي على إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي.
لكن هل يستجيب نتنياهو و»مجلس حربه» للنصيحة الأميركية التي تدعوه إلى عدم الردّ على الضربة الإيرانية، والانخراط في مسار الرؤية الأميركية للحرب الجارية؟
منذ بداية حرب الإبادة والتجويع على غزّة، كانت الإدارة الأميركية قد حذّرت نتنياهو من أن يستفيد من تجربة الجيش الأميركي في أفغانستان والعراق، لكنّه لم يفعل وغرق في رمال غزّة وأنفاقها.
وبعد ذلك اشتكت الإدارة الأميركية من أنّ نتنياهو يراوغ، ويرفض الاستجابة لطلباتها بشأن إدخال المواد الإغاثية، وبشأن تجنّب قتل المدنيين الفلسطينيين الأبرياء وهو يرفض الاستجابة لشروط إبرام صفقة التبادل.
لم تنفع كلّ الانتقادات، والتهديدات الأميركية في تغيير موقف نتنياهو، وقد وجدت نفسها في كلّ مرّة منخرطة في السياقات التي يفرضها نتنياهو الذي لا يكفّ عن محاولة توريطها في حروبه الواسعة.
إن كان نتنياهو أحياناً يظهر وكأنّه يستجيب لبعض الطلبات الأميركية فإنّه يفترق مع الإدارة الأميركية في الإجابة عن سؤال «اليوم التالي».
لا يستعجل نتنياهو حصد جوائز «التطبيع»، التي يحتاجها الآن بايدن. وهو مقتنع بأنّ تحقيق الانتصار الكامل سيجعل هذا «التطبيع» أقلّ تكلفة، خصوصاً فيما يتعلّق بموضوع «حل الدولتين» الذي يرفضه جذرياً.
ليس المجال مناسباً للخوض في سؤال من يقرّر بايدن أم نتنياهو، خصوصاً في ما يتعلّق بملفّ الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، فهذا له معالجة مستقلّة.
غير أنّ تتبع مجريات الحرب منذ بداياتها وحتى الآن، يشير إلى أنّ نتنياهو عرف دائماً كيف يُحرج الإدارة الأميركية، ويتجنّب الأخذ بنصائحها وطلباتها ويستعيدها إلى حظيرته كلّما ابتعدت قليلاً.
في هذه المرّة، أيضاً، سينجح نتنياهو في تصعيد الأوضاع بما في ذلك مع إيران، وستضطرّ الإدارة الأميركية للحاق به. فهو لم يتوقّف عن القيام بمحاولاته لجرّ المنطقة نحو التصعيد، ابتداءً من المجازر التي يرتكبها جيشه في غزّة، إلى الحرب المستعرة في الضفة، إلى القصف في الجنوب اللبناني، بالإضافة إلى محاولاته المستمرّة لاستفزاز إيران.
الهدف واضح بالنسبة لـنتنياهو الذي يردّد كلّ الوقت أنّ إسرائيل تخوض «حرب الاستقلال الثانية»، و»حرب البقاء»، وأنّه يعمل على إزالة ومحو كلّ التهديدات لأمن إسرائيل سواء في قطاع غزّة أو جنوب لبنان، أو من إيران، وتصفية القضية الفلسطينية وحسم الصراع في الضفة والقدس.