الرهان على المقاطعة الدولية لإسرائيل

9998688257
حجم الخط

نبدأ بالخيال: ملت الأسرة الدولية سلوك إسرائيل، ففرضت عليها عقوبات اقتصادية وثقافية. الاستثمارات تنعدم، السياحة تتقلص، منح البحوث تسحب وبوابات الأولمبيادا تغلق. السفر إلى الخارج بجواز السفر الإسرائيلي يوجب الوقوف في الطابور للتأشيرة والتحقيقات المعمقة. السياسيون ورجال الجيش يمكنهم أن يزوروا العالم ولكن فقط بشخصيات أُخرى خفية، أو في سفريات سرية. يؤمن مؤيدو المقاطعة بأن إسرائيل، المتعلقة بالدعم الدولي، لن تصمد أمام مثل هذا الضغط. وهم يأملون أنه سيكون كافيا التهديد بالعقوبات كي تعلن الحكومة على الفور الخروج من المناطق، اخلاء المستوطنات واقامة دولة فلسطينية. وضغط طفيف آخر، واذا بالقدس تقسم مرة اخرى والجيش الإسرائيلي ينسحب من غور الأردن. الاحتلال ينتهي، والدولة اليهودية الديمقراطية ستسكن بأمان من خلف الحدود الجديدة. نهاية سعيدة، عناوين نهائية. ولكن الخضوع للمقاطعة ليس مضموناً. معقول اكثر الافتراض بأن الحكومة ستشدد مواقفها وتتمترس في المناطق بدلا من أن تنسحب منها، مثلما فعلت دول أُخرى تعرضت لحظر دولي، مثل جنوب افريقيا، كوريا الشمالية وكوبا. تفرض التقشف الاقتصادي والقيود على السفر إلى خارج البلاد، تقمع المعارضة، توفر في قطع الغيار للطائرات، تنتج بدائل محلية للاستيراد وتواصل العيش. خطوات كانت في الماضي محظورة، بناء مكثف في المستوطنات، تغيير الوضع الراهن في الحرم وحتى ترحيل الفلسطينيين – ستتم بإحساس بأنه ليس هناك على أي حال ما يمكن أن نخسره. وماذا إذا تخلى المبادرون للمقاطعة عن تقسيم البلاد واستقلال فلسطين ودعوا إلى منح حقوق مدنية متساوية للجميع في دولة واحدة مشتركة من البحر حتى النهر؟ سيسهل عليهم تجنيد الرأي العام في الغرب لمبدأ ديمقراطي أساس مثل "صوت واحد لكل واحد" مما لإقامة ديمقراطية عربية أخرى الى جانب إسرائيل. وستدفن الدولة الواحدة تحتها الحركة الوطنية الفلسطينية والحلم الصهيوني على حد سواء. كيف سيرد الإسرائيليون العلمانيون، الليبراليون، الحالمون بأن يروا هنا دولة كالدول الغربية المتطورة، التي تحترم حقوق الانسان والمواطن، على هذه الأحداث؟ هل سيقبلون بمستوى معيشة متدن وحرية سياسية محدودة كي يروا اذا كانت المقاطعة ستنجح في إخضاع إسرائيل، أم سينتقلون الى مكان آخر في أعقاب الفرص الاقتصادية والحرية الشخصية؟. يحب المتحمسون للمقاطعة تشبيه إسرائيل بجنوب إفريقيا ويصفون انهيار الابرتهايد كنموذج لضغط دولي ناجح. وينسون أن الأبرتهايد لم يختفِ بين ليلة وضحاها، بل فقط بعد سنوات من القمع المتعاظم. الكثيرون من اليهود الجنوب إفريقيين ممن عارضوا العنصرية الرسمية لم يبقوا هناك بانتظار سقوطها، بل هاجروا إلى بريطانيا، استراليا، الولايات المتحدة وإسرائيل. ظاهرة مشابهة ستحصل في إسرائيل أيضاً، اذا ما فرضت عليها عقوبات. أصحاب المال وجواز السفر ومحبو الحرية سيهجرون، وسيبقون هنا دولة أكثر دينية، يمينية وفقراً. من يرون في المقاطعة علاجاً سحرياً "لإنقاذ اسرائيل من نفسها" يجب أن يسألوا أنفسهم اذا كانوا يريدون أن يعيشوا في دولة متسادا على نمط بتسلئيل سموتريتش ام في دولة كل مواطنيها مع خالد مشعل، محمد دحلان او مروان البرغوثي كرئيس الوزراء. هل من أجل الفرصة لإنهاء هم مستعدون لأن يضحوا بفرصة إسرائيل ديمقراطية، ليبرالية ومزدهرة في حدود معترف بها. من اجل تغيير الواقع على اليسار ان يتعلم من اليمين وان يبلور تأييدا من الداخل لمواقفه. أما من يتخلى مسبقا عن الجهد السياسي، بدعوى أن الجمهور غبي، عنصري ومسحور ببنيامين نتنياهو، فإنهم يتنازلون أيضاً عن الدولة التي يريدون العيش فيها، في صالح الوهم بان يأتي خلاصهم على ايدي حركة الـ BDS. فاذا ما نجحت المقاطعة، فان معظمهم لن يبقوا هنا كي يطفئوا النور.