فلسطين في إسطنبول وطهران!

التقاط
حجم الخط

 

لاحظت تذمراً رسمياً وفتحاوياً من مؤتمر سينعقد في إسطنبول، يضم فعاليات فلسطينية من الوطن والشتات، وقرأت عتباً على صديقنا أردوغان، الذي يسمح بعقد مؤتمر كهذا في عاصمة دولة الخلافة الشقيقة.

وقرأت كذلك تحذيرات من أنّ هذا المؤتمر سيعمق الانقسام في الصف الفلسطيني، ويضعف من وحدانية تمثيل منظمة التحرير وقيادتها للمشروع الوطني.

وبموازاة ذلك.. فهنالك مؤتمر بدأ في طهران تحت عنوان "توحيد الجهد الفلسطيني في مواجهة الاحتلال "، وبين وقت وآخر تأتينا أخبار من عواصم عربية وغير عربية، تتحدث عن مؤتمرات يُحضر لها وفعاليات يُحشد من أجلها، والخيط الرابط بين كل هذه الأشياء، هو غياب منظمة التحرير، وإن كان لها من حضور في بعض هذه الفعاليات فهو من قبيل المجاملة، وأحيانا تُدعى كما لو أنها فصيل يتشارك مع الفصائل الأخرى في مجال الضيافة والنقاش.

وحين نرى أمراً كهذا وقد تحول إلى ظاهرة مستمرة، فلا يحق لنا أن نعتب على المضيفين ولا حتى على المبادرين، ففي غياب قوة وفاعلية منظمة التحرير وتحلل مؤسساتها وتراجع نفوذها على الفلسطينيين في الوطن والشتات، فينبغي توقع استفحال ظاهرة المؤتمرات والتجمعات التي لا صلة لمنظمة التحرير بها، فالتناسب هنا طردي وعكسي بمعنى.. حين تكون المنظمة قوية وحاضرة كمؤسسات وكتيار وطني جارف، تتحجم تلقائيا أية محاولة لتجاوزها أو القيام بأي فعالية من وراء ظهرها، ففي زمن قوة المنظمة واتساع نفوذها كانت دول وازنة لا تقوى على الاقتراب منها، فإما أن تقاتلها عنوة كما فعلت العديد من النظم العربية في حقبة لبنان، التي كانت فيها القوة العسكرية والشعبية والسياسية للمنظمة في أوجها، وكان كل من يصادمها يخسر، وإمّا أن يتم تفاديها باحتضانها والعمل معها ومشاورتها في كل شأن فلسطيني.

إذاً... حجر الزاوية في معادلة العلاقات مع الفلسطينيين والعرب والعالم، هي القوة الذاتية للمنظمة، ومنها تنطلق القوة المكملة، كالتحالفات والاتفاقات والاتصالات التي كانت مفتوحة على العالم كله، ما جعل من منظمة التحرير رقما إقليميا وعالميا، ووضعها على مائدة صنّاع القرار، إمّا كمشروع تحجيم وتصفية، وإمّا كحاجة تحالفية لا غنىً عن التعامل معها، ولقد تغلب المعيار الثاني، فبعد أن أعيت المنظمة القوى الإقليمية والدولية التي بالغت في حرب تصفيتها، وكانت تخرج من كل معركة أقوى بكثير مما كانت عليه، دخلت الحياة الدولية من الأبواب العريضة، وإن لم يعترف بها رسميا كما ترغب من قِبل القوى العظمى، فإن اعتراف الأمر الواقع الذي حظيت به كان قويا وفعّالا.

بكل أسف فقد تبدل الحال، وكثير من الدول صاغت معادلة تعامل مع المنظمة ليس بالمعايير التي كانت سائدة في زمن قوتها، وإنما بقدر ما تخدم فلسطين وليس المنظمة أجندات هذه الدول، وفلسطين في هذا الإطار ثمينة ولا غنىً عنها لتأمين أغلفة بل ومصداقية للشعارات والأجندات.

الأتراك يحتاجونها والإيرانيون كذلك، ولا أريد ان أصنّف العرب بذات الاعتبارات والمقاييس، فلكل طريقته في الاستثمار، وهنا نقول... شتان بين من يدعم ويتبنى بمنطق التحالف الراسخ، وبين من يرى الأمر مجرد راية ينفع رفعها على الشعارات والاجندات الخاصة.

اللوم والعتب فقط حيال تفاقم ظاهرة من هذا النوع، يحقق غالبا نتائج عكسية، إذ بوسع من نلومهم أن يقولوا أننا نتعاطى مع قضية ليست ملككم وحدكم بل هي ملك العرب والمسلمين جميعا، وكل ما يُفعل باسمها ينطلق من هذا الزعم، وأحيانا يتم استرضاء الفلسطينيين بدعوة فصيل او شخص منهم ليقول ما عنده، فتتحول فلسطين كلها الى مجرد فصيل ضيف مثل باقي المشاركين.

ظاهرة كهذه لا تعالج برجاء أردوغان أن يمنع عقد مؤتمر في بلاده، ولا بالإتصال بعبد اللهيان كي يعطي مندوب فتح أو المنظمة كلمة في مؤتمر ينعقد على ارضه ووفق أجندته، العلاج الناجع والفعال يبدأ من هنا، وحين تستعيد منظمة التحرير عافيتها، لن نحتاج في أمر القضية الفلسطينية إلى رجاء أحد، ولن نضطر للسكوت عن أهدافه الحقيقية وراء استخدام إسمنا وإسم قضيتنا في أمور لا علاقة لنا بها.