نشرت في 20 يناير 2026 10:27 م
التدريس التبادلي: فن تحويل المتعلم من مُتلقٍّ صامت إلى قائدٍ فاعلٍ للفهم والحوار
إعداد الباحثتين:
أمل سامي المصري
نادرة ناصر سليمان
ماجستير مناهج وطرق تدريس ـ الجامعة الإسلامية غزة
تتجه المناهج التربوية الحديثة عالميًا نحو التحوّل من النموذج التعليمي القائم على حفظ المعرفة إلى نموذج يعتمد على بنائها وتوظيفها، حيث يصبح المتعلم شريكًا فاعلاً في عملية إنتاج الفهم. ويؤكد الباحثون أن هذا التحوّل يتطلب ممارسات صفّية تعتمد على التفكير الناقد، والتعلم النشط، وتنويع استراتيجيات التدريس. وفي هذا السياق، تبرز استراتيجية "التدريس التبادلي" (Reciprocal Teaching) كأحد الأساليب التربوية المعاصرة التي تهدف إلى تعزيز الفهم القرائي وتنمية مهارات التفكير العليا من خلال الحوار المنظّم وتبادل الأدوار بين المعلم والمتعلمين
Vuong & Steklacs, 2025))
مفهوم التدريس التبادلي :
يُعرّف التدريس التبادلي (Palincsar & Brown,2009 ؛ Rosenshine & Meister, 1994). بأنه حوار تعليمي منظّم بين المعلم والطلاب يُطبَّق أثناء قراءة نص معين، بهدف تحسين الفهم من خلال استخدام مجموعة من الاستراتيجيات المنظمة.
كما وُصف بأنه عملية تعليمية تعتمد على تبادل الأدوار بين المتعلمين لتفسير النص من خلال التلخيص، والتنبؤ، وطرح الأسئلة، والتوضيح، بما يعزز التفاعل البنّاء ويثري مهارات الفهم القرائي. وجوهر هذا الأسلوب هو المشاركة، وبناء المعنى المشترك، وتعزيز الفهم من خلال الممارسة التعاونية .
الجذور البنائية للتدريس التبادلي:
ترتكز هذه الاستراتيجية في ظهورها على أعمال فيجوتسكي حول مفهوم الدعم المتدرّج ، والذي يشير إلى أن التعلم يكون أكثر فاعلية عند تقديم قدر مناسب من المساندة للمتعلمين، تُسحب تدريجيًا ليصبحوا مستقلين في تعلمهم. Vygotsky, 1980) ) وقد طوّرت آن براون وزملاؤهاهذا الأسلوب خلال ثمانينيات القرن الماضي بهدف رفع مستوى الفهم لدى الطلبة، خاصة ذوي صعوبات التعلم(.( Brown & Palincsar,2009
خطوات استراتيجية التدريس التبادلي
يتفق الأدب التربوي على أن التدريس التبادلي يقوم على أربع خطوات أساسية تُمارَس في سياق مرن أو بالترتيب، وتسهم جميعها في نقل المتعلم من مجرد استقبال المعنى إلى بناء معنى النص بصورة نقدية وواعية. وتشمل هذه الخطوات ما يلي: (نجاد، 2021)
التنبؤ (Predicting): يقوم المتعلم بتخمين الأفكار التي سيعالجها النص قبل القراءة، اعتمادًا على معرفته السابقة. وفي التطبيق العملي، يضع الطالب فروضًا أو يصوغ توقعات عما ستناقشه المجموعة في الخطوة التالية من النص.
التساؤل (Questioning): يطرح الطالب أسئلة حول النص لتحفيز التفكير، والتحقق من الفهم، وتوجيه النقاش. وينتج عن ذلك اكتساب مهارات صياغة الأسئلة ذات المستويات المتعددة من التفكير.
التوضيح (Clarifying): يعالج المتعلم النقاط الغامضة أو الكلمات الصعبة من خلال النقاش أو البحث أو الربط بالمعلومات السابقة. ويهدف إلى تحديد نقاط الصعوبة في النص من المصطلحات أو المفاهيم ومحاولة توضيح معناها للزملاء.
التلخيص (Summarizing): يعيد الطالب صياغة أهم الأفكار الرئيسة بعد كل فقرة أو مقطع بهدف التحقق من الفهم. وتُركّز هذه العملية على اختصار المقروء وإعادة إنتاجه بصورة أخرى، مع التأكيد على استخدام الطالب لكلماته الخاصة ( . (Palincsar & Brown, 2009
أهمية التدريس التبادلي:
أثبتت العديد من الدراسات التربوية (نجاد، 2021؛ نصر، 2016) أن التدريس التبادلي له أثر واضح في:
رفع مستوى التحصيل من خلال تحسين الأداء الأكاديمي للطلاب بشكل ملحوظ.
تنمية مهارات التفكير حيث يطور القدرات التحليلية والنقدية لدى الطلاب.
تعزيز التفاعل الاجتماعي من خلال زيادة المشاركة والتفاعل بين الطلاب والمعلمين.
دعم العمل الجماعي: عبر تشجيع التعاون والحوار البنّاء بين الطلاب.
كسر حاجز الخجل مما يزيد من ثقة الطلاب بأنفسهم وتعبيرهم عن آرائهم.
أدوار المعلم والمتعلم في التدريس التبادلي
1. دور المعلم: يقوم المعلم بدور المُوجِّه والداعم، حيث يقود المرحلة الأولى من التطبيق عبر شرح خطوات الاستراتيجية وتوزيع الأدوار، ثم ينتقل تدريجيًا إلى تقليل الدعم (الدعم المتدرج) ؛ ليترك للطلاب تولي القيادة. ويشمل دوره تنظيم المجموعات، وتقديم التغذية الراجعة، ومراقبة الحوار وتعديل المسار عند الحاجة.
2. دور المتعلم : يقوم المتعلم بدور الشريك الفاعل بحيث يصبح شريكًا فاعلاً في إنتاج الفهم، لا مستقبلاً سلبيًا للمعلومات، بحيث يتولى المتعلمون أدوارًا قيادية، فيمارسون التلخيص، وطرح الأسئلة، والتنبؤ، والتوضيح، ويُنتظر من المتعلم أن يشارك بفاعلية، ويطبق مهارات التفكير العليا، ويقدم تغذية راجعة لزملائه، ويتحمل مسؤولية إدارة الحوار، مما يعزز استقلاليته.(هاشم، 2024)
تحديات تطبيق استراتيجية التدريس التبادلي
على الرغم من فاعلية الاستراتيجية، يواجه تطبيقها بعض التحديات Alsalhi et al., 2024):)
قيود الوقت: قد يتطلب التطبيق وقتًا أطول، خاصة أثناء تدريب الطلبة على الأدوار المختلفة.
صعوبات في ممارسة المهارات: يواجه بعض الطلبة صعوبات في ممارسة مهارات التنبؤ أو توليد الأسئلة دون تدريب كافٍ.
مهارات إدارة المعلم: تتطلب الاستراتيجية مهارات عالية في إدارة الحوار والمجموعات، ومواجهة احتمالات تشتت الطلبة أو ضعف مشاركة الخجولين.
كيف يمكن تطبيق خطوات التدريس التبادلي داخل الفصل؟( نموذج تطبيقي لدرس صلاح لدين الصف التاسع)
يمكنكم الاطلاع على تصميم الدرس كاملاً باستخدام استراتيجية التدريس التبادلي باللغتين العربية والانجليزية ، تم إعداده من باحثات من الجامعة الإسلامية بغزة عبر الرابط التالي: https://drive.google.com/drive/folders/1Aq4t6RUgSaVxv-tzRQvRC8ZvBK656Rc5
نصائح عملية للمعلم
ابدأ بنصوص قصيرة وسهلة قبل الانتقال إلى نصوص معقدة.
درّب الطلاب على صياغة أسئلة مفتوحة.
امنح وقتًا كافيًا للنقاش ولا تستعجل النتائج.
عزّز مشاركة الطلاب الخجولين بتكليفهم بأدوار صغيرة أولًا.
التدريس التبادلي في ضوء التربية الإسلامية
يُعدّ مبدأ الشورى في الإسلام قيمة تربوية أصيلة، حيث يقوم على التشاور وتبادل الرأي للوصول إلى الحق والصواب، ويُحقق للفرد كرامته الفكرية وللجماعة حقها في المشاركة ، يقول الله تعالى:"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" (الشورى: 38)
عند ربط هذا المبدأ بخطوات التدريس التبادلي (التنبؤ، التساؤل، التوضيح، التلخيص)، نجد أن كل خطوة تمثل ممارسة عملية للشورى داخل الصف:
التنبؤ: مشاركة توقعات الطلاب حول النص، وهو نوع من المشاورة الفكرية.
التساؤل: طرح الأسئلة يعكس حرية التعبير واحترام الرأي الآخر.
التوضيح: تعاون جماعي لفهم المعنى، يشبه تبادل الخبرات في الشورى.
التلخيص: صياغة جماعية للمعنى المشترك، كما تُختتم الشورى بقرار جماعي.
هذا الربط يعزز قيم التعاون، الاحترام، والمسؤولية الجماعية، ويجعل التدريس التبادلي أكثر قربًا من ثقافة الطلاب في غزة، حيث يُنظر إلى الحوار والشورى كقيم أصيلة في التربية الإسلامية ( إسماعيل، 2021)
أدوات رقمية داعمة للتدريس التبادلي
في العصر الرقمي، يمكن للمعلم أن يوظّف أدوات تعليمية حديثة لدعم خطوات التدريس التبادلي، مثل:
:Padlet . 1 لإنشاء لوحات تفاعلية يشارك فيها الطلاب توقعاتهم وأسئلتهم.
: Google Docs .2 لتلخيص النصوص بشكل جماعي وتحريرها في الوقت نفسه.
: Class Point .3 لإدارة الحوار داخل الصف وتوزيع الأدوار بشكل منظم.
: Mentimeter. 4 لطرح الأسئلة وجمع الإجابات بشكل فوري من الطلاب.
هذه الأدوات تجعل الحوار أكثر تفاعلية، وتمنح الطلاب فرصة لتوثيق أفكارهم ومشاركتها بسهولة، مما يعزز التعاون ويكسر حاجز الخجل.
التوصيات
تدريب المعلمين على مهارات إدارة الحوار الرقمي والتربوي
ضرورة إعداد برامج تدريبية متخصصة للمعلمين حول كيفية تطبيق التدريس التبادلي بفاعلية، مع التركيز على مهارات إدارة المجموعات، التغذية الراجعة، وتوظيف الأدوات الرقمية مثل Padlet وGoogle Docs لدعم التفاعل.
دمج القيم الإسلامية في خطوات التدريس التبادلي
تعزيز الربط بين الاستراتيجية ومبادئ التربية الإسلامية مثل الشورى والتعاون، بحيث تُمارس خطوات التنبؤ، التساؤل، التوضيح، والتلخيص في ضوء قيم الاحترام والمسؤولية الجماعية، مما يجعلها أكثر قربًا من ثقافة الطلاب في غزة.
إجراء دراسات ميدانية حديثة لتقييم الأثر
التوصية بتنفيذ بحوث تطبيقية في المدارس والجامعات لقياس أثر التدريس التبادلي على مهارات التفكير العليا والتحصيل الأكاديمي، مع مقارنة النتائج بين البيئات التقليدية والرقمية، لضمان تطوير الاستراتيجية بما يتناسب مع التحديات المعاصرة.
الخاتمة
يُعد التدريس التبادلي نقلة نوعية في الممارسات الصفّية، إذ يجسّد التحوّل المنشود في المناهج الحديثة عبر تفعيل دور المتعلم في بناء المعرفة وتحويله إلى قائد في تعلمه. ومن خلال ممارسات التلخيص والتساؤل والتوضيح والتنبؤ، يتمكن الطلاب من تعميق فهمهم القرائي وتنمية مهارات التفكير الناقد والعمل التعاوني، مما يدعم بناء بيئة صفية نشطة ومنتجة.
قائمة المراجع:
المراجع العربية:
إسماعيل، وليد. (2021). فاعلية استراتيجية التدريس التبادلي في تنمية التفكير الاستدلالي والتحصيل الأكاديمي في مادة القرآن الكريم والتربية الإسلامية لدى طلبة المرحلة الإعدادية. مجلة كلية التربية – جامعة واسط، 42(2).
نجاد، سهيلا.(2021). فاعلية استراتيجية "التدريس التبادلي" في تنمية مهارة الفهم القرائي للغة العربية لدى الناطقين بغيرها من طلبة البكالوريوس، مجلة الجمعية الإيرانية للغة العربية وآدابها، 17(59)، 1–20.
الرابط: https://iaall.iranjournals.ir/article_129681.html
نصر، سالي.(2016).أثر استخدام استراتيجية التدريس التبادلي في تنمية مهارات الفهم القرائي لدى طالبات الصف التاسع بغزة، (رسالة ماجستير غير منشورة) الجامعة الإسلامية، غزة
هاشم، أمنية ،وآخرون. (2024). فاعلية استخدام استراتيجية التدريس التبادلي في بعض أبعاد الإرجاء الأكاديمي لدى طالبات الجامعة. مجلة كلية التربية للبنات بالقاهرة، 1(2)، 312–371. جامعة الأزهر ،كلية التربية للبنات بالقاهرة.
المراجع الأجنبية:
Alsalhi, N. R., Alqawasmi, A. A., Alakashee, B. A., Al-Qatawneh, S., El-Mneizel, A. F., Al-Barakat, A. A., & Al-karasneh, S. M. (2024). Evaluating the impact of reciprocal teaching strategy on international postgraduate science education programs. Journal of International Students, 14(3), 491–507.
Palincsar, A. S., & Brown, A. L. (2009). Reciprocal teaching of comprehension-fostering and comprehension-monitoring activities. Cognition and Instruction, 1(2), 117–175.
Rosenshine, B., & Meister, C. (1994). Reciprocal teaching: A review of the research. Review of Educational Research, 64(4), 479–530
Vuong, T. L., & Steklacs, J. (2025). Trends in research on reciprocal teaching: A systematic review. Cogent Education, 12(1).
Vygotsky, L. S. (1980). Mind in society: The development of higher psychological processes. Cambridge, MA: Harvard University Press.