نشرت في 21 أبريل 2026 11:35 ص
https://khbrpress.ps/post/429354
ينتهي العمل اليوم بوقف إطلاق النار بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة المقابلة، وفق الاتفاق الذي أعلن الطرفان يوم السابع من الجاري، موافقتهما عليه، بعد الوساطة الباكستانية بينهما، ورغم أن التفاوض بدأ بينهما فور ذلك الإعلان، في جولة تفاوضية أولى، وصفت كذلك افتراضياً، لأنه رغم أنها لم تنته باتفاق لا معلن ولا مكتوب، بل حتى لم يعلن عن جولة تفاوضية عند الإعلان عن انتهائها بعودة رئيس الوفد الأميركي إلى بلاده أولاً، ومن ثم الوفد الإيراني تالياً، عن جولة ثانية، بحيث صار الواقع معلقاً، خاصة منذ اليوم الأول لسريان وقف إطلاق النار، لأن الطرفين سرعان ما اختلفا حول إن كان وقف إطلاق النار يشمل لبنان أم لا.
وحين ادعى بنيامين نتنياهو أن موافقته على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار يعني وقف إطلاق النار الإسرائيلي أيضاً على إيران، لكن ذلك لا يشمل لبنان، حيث أصر على مواصلة الحرب هناك، وإزاء ذلك سارع ترامب لتأييد كلام نتنياهو، لكن إيران، التي يبدو أن شوكتها قد باتت أقوى بعد الـ39 يوماً الأولى من الحرب، أعلنت «تعليق» وقف إطلاق النار من جهتها، لأن الجانب الآخر تنصل من «التفاهم» حول وقفه، فالاتفاق كان يشمل كل الجبهات، أي بما في ذلك لبنان، ما أضطر ترامب للرضوخ، مع فتح نافذة مخرج لنتنياهو، تمثلت في رعاية لقاء دبلوماسي لبناني/ إسرائيلي في واشنطن، يبرر رضوخ نتنياهو لوقف إطلاق النار في لبنان أيضاً.
ويبدو أن جوهر الاتفاق المؤقت لوقف إطلاق النار، كان وقف إطلاق النار في كل الجبهات، مقابل فتح مضيق هرمز بإدارة إيرانية، وهذا ما أكدت عليه إيران منذ اللحظة الأولى، وجاء ذلك واضحاً، حين بدأ الجانب الأميركي حصاراً على الموانئ الإيرانية عن بعد، من خلال ترجمة حصار الموانئ إلى ملاحقة للسفن الإيرانية في بحرَي عُمان والعرب، ما دفع إيران للإعلان مجدداً عن إغلاق المضيق، وهكذا يمكن القول: إن الأسبوعين اللذين انقضيا على وقف إطلاق النار، تخللتهما «لعبة القط والفأر»، أو عن إغلاق الباب مع محاولة الولوج من النافذة، فإن أغلقت النافذة، فالبحث عن شقوق هنا أو هناك، لكن يمكن الإشارة مع كل هذا إلى أمر مهم للغاية، وهو تغيّر لغة أو لهجة الرئيس الأميركي، الذي عاد يطلق عبارات التهديد والوعيد كما يشاء ودونما تفكير، وكل يوم.
لقد أبقت الولايات المتحدة على الباب موارباً، دون إعلان صريح عن التقدم نحو تمديد وقف إطلاق النار، أو ترجيح الذهاب للحرب، ذلك أنه لا بد مع حلول موعد انتهاء مدة الأسبوعين، من الذهاب لأحد الخيارين، حتى لو كان ذلك دونما إعلان بإبقاء الخيار منفتحاً على الواقع المتغير، أي أنه لا بد من تحديد الوجهة عند الوصول لنقطة افتراق الطرق، فإما جولة تالية من التفاوض، أو جولة تالية من الحرب، في الوقت الذي بات فيه الوسيط الباكستاني أكثر فاعلية، ومع أن واشنطن أعلنت عن مكان آخر لم تحدده للوساطة، وهذا يبدو أنه جاء للضغط على الجانب الإيراني، الذي يثق بالوسيط الباكستاني، ليس لأنه جار ومسلم، وليس فقط لمواقف إسلام أباد تجاه إسرائيل، ولكن أيضاً لقوتها العسكرية ومكانتها كقوة إقليمية، وهي جار لإيران، ترددت أصداء التعاطف الشعبي الباكستاني مع الجار الشقيق حتى وصلت أروقة الحكومة والجيش، لذلك فقد أظهرت أميركا تردداً يدل على «قلة الحيلة»، فهي لم تظهر ترجيحاً يحدد طبيعة الجولة التالية، إن كانت التفاوض بقصد التوصل لاتفاق أو الذهاب لجولة ثانية من الحرب.
ما يدفعنا إلى قول هذا، هو أن أميركا اختارت ما بين هذا وذاك، فترجيح التفاوض كان عنوانه جي دي فانس، وكان نائب الرئيس يأمل العودة باتفاق سلام مع إيران، حيث ذهب إلى إسلام أباد السبت قبل الماضي، الموافق للحادي عشر من الجاري، ولو تحقق له هذا، لجعل منه برنامجه لخوض السباق الرئاسي في العام 2028، أما أن يذهب ستيف ويتكوف مع جاريد كوشنر هذه المرة، فذلك لا يعني أن الأمور قد حسمت نهائياً لصالح التفاوض على حساب خيار الحرب، وقد سبق لهذين الرجلين أن فاوضا وزير خارجية إيران عباس عراقجي، حين شنت أميركا حربها ضد إيران في اليوم الأخير من شباط الماضي، وإيران أيضاً لم تظهر حماساً كبيراً، ولا لهفة بالطبع، لخوض الجولة الثانية من التفاوض، بل اشترطت إنهاء الحصار البحري الأميركي حتى ترسل وفدها التفاوضي.
أيّاً تكن نتيجة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، سواء بإطلاق جولة ثانية من التفاوض التي لا تعني إغلاق الباب أمام جولة تالية من الحرب، أو بقاء الحال دونما إعلان، مع حالة من التوتر والترقب لاحتمال تجدد الحرب في أي لحظة، فإن الصراع ما زال قائماً، هذا أولاً، وثانياً، كانت فترة الأسبوعين مناسبة لإجراء «جردة حساب» أولية على الأقل، بما آلت إليه المواجهة العسكرية التي استمرت أربعين يوماً، وكان مجرد صمود إيران في وجه أكبر قوة عسكرية في العالم، مضافاً إليها أقوى آلة عسكرية في الشرق الأوسط، يعني أن إيران أفشلت أهداف العدو التي أعلنها بنفسه، من إسقاط النظام، إلى فرض الاستسلام غير المشروط، بما يحقق أهداف أميركا بالسطو على اليورانيوم المخصب، وإن «بجرزة» العشرين مليار دولار من أموال إيران المحتجزة في البنوك الأميركية، وتدمير قوتها الصاروخية، وتحطيم حلفائها الإقليميين، أي بتحقيق هدف إسرائيل الكبرى لإسرائيل، وهدف تثبيت أركان النظام العالمي الأميركي، بعد أن تتخلص إسرائيل من القوة الإقليمية التي تقف في طريقها، وبعد أن تحصل أميركا على النفط الإيراني الذي يذهب إلى الصين.
أما في التفاصيل، فلا شك أن إيران دفعت ثمناً باهظاً، أقله تدمير جزء مهم من قوتها العسكرية، ووقف متابعة برنامجها النووي، بما كان سيحققه من نهوض اقتصادي، ومن ذلك الثمن، فقدان العديد من القادة الذين ارتقوا كشهداء، ومئات الشهداء، لكن الأهم كان ما لحق من دمار بالبنية الاقتصادية، من جسور ومصانع، والعدو خسر كذلك، صحيح أن خسائره البشرية أقل، لكن خسائر إسرائيل في القوة العسكرية، خاصة في عتاد الصواريخ الاعتراضية، كانت كبيرة، بل اقتربت من النفاد، كذلك خسرت أميركا، وربما بشكل إستراتيجي قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط، بالمقابل حققت إيران الردع العسكري، فقد تأكد العجز الإسرائيلي المتكئ على جبروت القوة الأميركية الهائلة في تحقيق الانتصار العسكري على إيران وحليفها «حزب الله»، بما يعني أنه بمجرد انكفاء أميركا عن الشرق الأوسط، فإن إسرائيل ستكون على كف عفريت، وهكذا لم يعد التهديد بالحرب فيما بعد، ولا الآن يخيف إيران، ولا يشكل عامل ضغط سياسي من أجل انتزاع موقف سياسي عجزت أميركا وإسرائيل عن انتزاعه منها بالحرب.
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك بالقول: إن قدرة أميركا على المناورة ما بين التهديد بالحرب والتفاوض باتت محدودة، وهذا واضح من خلال عدم اندفاع إيران نحو التفاوض، بل واشتراطها لذلك إنهاء الحصار البحري، ذلك أن أميركا وإسرائيل قد جربتا الحرب، ولن تتعرض إيران لأسوأ مما تعرضت له، بل إن ترميم ما تم تدميره من قوة عسكرية على الجانب الإيراني أفضل، لأن إيران تصنع محلياً صواريخها ومسيّراتها، بينما إسرائيل تستورد معظم قوتها العسكرية من أميركا، وبعد الحرب خرجت إيران بمكاسب سياسية هائلة، مقابل خسائر لا محدودة لعدوها، فقد اقتربت معظم دول العالم من إيران، بما في ذلك أوروبا، واليابان وحتى كوريا، بينما انفض الجميع عن أميركا، كما تعمقت عزلة إسرائيل المتحققة أصلاً منذ حرب الإبادة على غزة.
أما المكسب الإيراني الهائل فقد تمثل في فرض سيادتها على مياهها الإقليمية في مضيق هرمز، وترجمة هذه السيادة بإدارة مرور السفن التجارية وحتى العسكرية، حيث لم تفشل أميركا في الزج بكاسحات الألغام فقط، بل فشلت في الدفع بحاملات طائراتها للاقتراب من السواحل الإيرانية، فضلاً عن تنفيذ التهديد باحتلال الجزر الإيرانية، أو تنفيذ عمليات الإنزال البري لسرقة اليورانيوم المخصب، وهكذا فإن إيران خرجت بجوهرة المضيق، التي ستجعل من العقوبات الاقتصادية الأميركية حبراً على ورق، أو بلا أي قيمة أو تأثير، حيث ستجني إيران من إدارة المضيق ما يعادل نصف قدرتها على التصدير من نفطها الخام، وكان هذا بعد أن نجحت في جعل المضيق ورقتها الرابحة في المواجهة، فيما بات كل ما يفعله ترامب يهدف إلى وقف الصعود الجنوني في أسعار النفط.