نشرت في 06 أكتوبر 2026 10:19 ص
https://khbrpress.ps/post/436155
يصادف غداً (الأربعاء) الذكرى الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر. والواقع أن حجم هذا الحدث، الذي أطلق حرباً غيّرت وجه الشرق الأوسط، ولم تتوقف حتى الآن، يبرر وقفة إلزامية، عاجلة ومؤقتة، نستكمل بعدها الكلام عن دونالد ترامب: مؤهلاته الشخصية، والشروط الموضوعية التي أنجبته، والقوى التي راهنت عليه، ووضعته على الطريق إلى البيت الأبيض.
ولنقل في البداية: إن هذه الوقفة لا تعني أكثر من استعادة أفكار وفرضيات كانت في صلب تأملات نشرتها في «الأيام» بعد وقوع الهجوم بيومين، واشتغلت عليها على مدار أيام وأسابيع وشهور لاحقة. أما مبرر العودة إلى ما سبق من أفكار وفرضيات فيتمثل في الاستفادة مما توفر خلال الفترة الزمنية الفاصلة (وهي في هذه الحالة ثلاث سنوات) من شواهد تبرهن إما على صوابها أو ضلالها.
ولعل أهم الفرضيات، في هذا الصدد، حقيقة أن للحروب حياة خاصة، لا تتوقف، بالضرورة، بعد صمت المدافع، كما أن أهم نتائجها لا تقتصر عمّا حدث في الميدان. فبعض النتائج لا يظهر سريعاً للعيان، وبعضها لم يكن في الحسبان. بمعنى آخر، حسابات النصر والهزيمة أشد تعقيداً مما يسمع الناس في نشرة الأخبار.
مثّلنا للأمرين أولاً بحرب العام 1967، التي يمكن تعيينها كضربة قاتلة للناصرية، الوجه الأكثر إشراقاً لحركة القومية العربية. وثانياً، بحرب «سلامة الجليل» 1982، التي تباهى مناحيم بيغن، عند زيارته لقلعة الشقيف في جنوب لبنان، بأنها ستمنح إسرائيل عقوداً طويلة من السلام. ونحن نعرف ما أعقب ذلك، ويصدق عليه كلام الكتاب المقدّس: «إِذا هَرب إِنسانٌ مِنْ أمام الأَسد فصادفه الدُّب، أو دخل البيت ووضع يده على الحائط فلدغته الحية».
ومع هذا الإطار التحليلي في البال، يمكن القول: لن يختلف اثنان على حقيقة أن هجوم السابع من أكتوبر غيّر وجه الشرق الأوسط، ولكنهما لن يتفقا، بالضرورة على معنى التغيير. فعلى مدار ثلاث سنوات نشبت أوّل حرب بين إسرائيل ودولة غير عربية هي إيران. ومن تداعيات هذه الحرب أن إسرائيل لم تظهر كقوة (وبالتالي كمشكلة) شرق أوسطية قبلها.
هذا ما تنطوي عليه رهانات من نوع محاولة هدم الدولة، وتقسيم إيران، أو التدخل القسري في اختيار من يحكمها (كما حدث في انقلاب 1953 على مصدّق) أو طرد الفلسطينيين، أو إشهار عقود للملكية يعتقد أنها موقعة من الله. تهدد تداعيات كهذه دولاً في الإقليم والعالم.
في هذه التطوّرات، أيضاً، ما يستدعي إعادة التفكير في الأبعاد السياسية والإستراتيجية لما عرف حتى وقت قريب «بالصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي». والصحيح أن الصراع المذكور يقتصر على الفلسطينيين وقوى عربية غير نظامية في الوقت الحاضر، ناهيك عن حقيقة أن قوى «عربية» توجد الآن في المعسكر الإسرائيلي لا تحت الطاولة، كما كان الشأن في الماضي، بل وفوقها أيضاً. لم تُطرح بعد فرضية قيام أطراف «عربية» بدور مساعد في حرب الإبادة.
ترشّح تحولات من نوع «إسرائيل بوصفها مشكلة» تركيا وباكستان للانخراط بصورة أكثر فعالية في صراعات الشرق الأوسط، وكلتاهما قوة شرق أوسطية يدفعها فراغ القوة (خاصة الانهيار المفزع للحواضر العربية، ومحاولة إسرائيلية محفوفة بالمخاطر لممارسة دور القوّة المهيمنة، والاستفراد ببلاد الشام) إلى التدخل لا بدافع الإسلام، أو نصرة المظلوم، بل خدمة لمصالحها القومية.
لكل ما ذكرنا تداعيات بعيدة المدى على «رواية» الفلسطينيين، التعبير الأثير لدى الكثيرين هذه الأيام، رغم أن اثنين لن يتفقا على معنى «الرواية» ومكوّناتها. ولكل ما ذكرنا تداعيات على «رواية» الإسرائيليين، أيضاً. في التحوّلات، بالنسبة للفلسطينيين ما يرفع من شأن حسابات الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، على حساب عصبيات دينية وقومية بطل مفعولها. وفيها بالنسبة للإسرائيليين ما يقوّض فكرة المركز المتقدّم للحضارة الأوروبية في آسيا الغربية، بعدما تقدّموا الصفوف كحماة «للبربرية الآسيوية».
علاوة على ما تقدّم تبقى مسألة أخيرة وثيقة الصلة بكل ما ذكرنا، ولعل فيها ما يفسر حرب الإبادة، والقتال على سبع جبهات في آن. المقصود أن القوة العسكرية، التي يمكن تعريفها بحساب قوة النيران، وأعداد الفرق المدرعة، والطائرات، وأسلحة الدمار الشامل، وكل ما تحتاج من مؤشرات التفوّق التقني، لا تمثل ضمانة كافية لتفادي هجوم من نوع السابع من أكتوبر.
الضمانة المنطقية الوحيدة، في هذا الشأن، هي عدم وجود السكان المعادين قرب التجمعات السكانية للإسرائيليين. وهذا غير ممكن من ناحية عملية دون طرد السكان المعادين، أو تفتيت تجمعاتهم، وإخضاعهم للرقابة وقيود استثنائية تمس كافة مناحي الحياة. يصدق على الخيار الثاني تعبير الأبارتهايد طبعاً. وهذا الخيار يبدو أقل جاذبية بعد الهجوم المذكور.
الحل الأمثل، إذاً، هو الطرد. مشكلة هذا الحل (الذي يندرج في باب عودة المسكوت عنه) أنه يزعزع استقرار بلدان مجاورة. يمس تهديد الاستقرار في بلدان مجاورة بالترتيبات الأمنية لدول في الإقليم والعالم، لأسباب تتعلّق بسلامة طرق التجارة الدولية، وتأمين مصادر الطاقة. وهي أشياء حيوية، وذات أهمية إستراتيجية، في نظر قوى مختلفة في الإقليم والعالم، أيضاً.
ثمة مشكلة مستعصية، إذاً. يحل الطرد مشكلة تبدو وجودية. ولكنه غير ممكن. الأبارتهايد حل مؤقت، ولكنه غير مضمون، وغير آمن. ليس ثمة ما هو أسوأ من مشكلة تبدو وجودية في أذهان ساسة بائسين ويائسين.