نشرت في 15 فبراير 2026 11:08 ص
https://khbrpress.ps/post/426690
يشكّل الحديث عن إقرار دستورٍ مؤقت لدولة فلسطين مدخلًا ضروريًا لإعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني قانونيًا وسياسيًا، في لحظة تتسم بتعقيدات غير مسبوقة على المستويين الداخلي والخارجي. فهذه الخطوة لم تعد ترفًا فكريًا أو نقاشًا نظريًا، بل باتت استحقاقًا وطنيًا لسدّ فراغ دستوري اتسع مع مرور الوقت، وأفرز إشكاليات عميقة في بنية النظام السياسي وآليات عمله.
لقد وُضع القانون الأساسي الفلسطيني ليكون إطارًا ناظمًا للحياة العامة خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت التوقيع على اتفاق أوسلو ونشأة السلطة الفلسطينية عام 1994، أي أنه صُمم ليؤدي وظيفة مؤقتة مرتبطة بسياق سياسي محدد. وكان الهدف منه تنظيم العلاقة بين السلطات، وضبط عمل المؤسسات، وكفالة الحقوق والحريات إلى حين قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وصياغة دستور دائم يعكس سيادتها الكاملة. غير أن تعثر المسار السياسي، واستمرار الاحتلال، ثم الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007، جعل من هذا القانون المؤقت مرجعية شبه دائمة، رغم أنه لم يُصغَ ليتحمل أعباء مرحلة طويلة ومعقدة بهذا الشكل.
ومع حصول فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012، برز تحول مهم في المكانة القانونية والسياسية لفلسطين على الصعيد الدولي. وكان من المنطقي أن يترافق هذا التحول مع نقلة داخلية من منطق "السلطة" إلى منطق "لدولة"، عبر إعادة صياغة الإطار الدستوري بما يعكس هذا التطور. إلا أن هذه الفرصة لم تُستثمر بالشكل الكافي، فبقي النظام السياسي يعمل بأدوات مرحلة انتقالية طالت أكثر مما ينبغي، في ظل غياب المجلس التشريعي وتآكل مبدأ الفصل المتوازن بين السلطات.
اليوم، وفي ظل حالة التشدد الإسرائيلي ومحاولات تقويض ما تحقق من إنجازات سياسية في مسار النضال الوطني، خاصة بعد السابع من أكتوبر، تبدو الحاجة إلى دستور مؤقت أكثر إلحاحًا. فوجود وثيقة دستورية محدثة وواضحة يمكن أن يشكل مظلة قانونية تحصّن الحقوق الوطنية، وتنظم العلاقة بين المؤسسات، وتعيد تعريف الصلاحيات بشكل يمنع التضارب ويحدّ من الاجتهادات التي قد تفتح الباب أمام أزمات مستقبلية. كما أن هذه الخطوة، في حال اقترنت بدعم عربي ودولي، ولا سيما من السعودية ومصر وفرنسا، قد تعزز مكانة فلسطين السياسية وتدعم جهود تثبيت الشخصية القانونية للدولة الفلسطينية في المحافل الدولية.
غير أن أهمية الفكرة لا تعني استعجالها دون نقاش معمق. فصياغة دستور، حتى لو كان مؤقتًا، ليست مجرد عملية فنية، بل هي تعاقد وطني جامع يتطلب أوسع توافق ممكن بحيث تكون الوثيقة عبارة عن عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم. ومن هنا تبرز ضرورة فتح حوار عام واسع تشارك فيه القوى السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، والنقابات، إلى جانب إشراك خبراء القانون الدستوري الفلسطينيين والعرب، للاستفادة من التجارب المقارنة وتجنب الثغرات التي قد تتحول لاحقًا إلى أزمات بنيوية.
إن تعميق النقاش العام حول مضامين الدستور المؤقت، وحدود صلاحيته الزمنية، وآليات تعديله، وطبيعة النظام السياسي الذي يكرّسه، يشكل ضمانة أساسية لنجاحه. فالتجارب الدستورية في العالم العربي أظهرت أن التسرع أو الإقصاء أو غياب التوافق الواسع يؤدي غالبًا إلى إضعاف الوثيقة الدستورية بدل تعزيزها. لذلك فإن الاستعانة برؤى خبراء عرب في مجال القانون الدستوري، ومراجعة التجارب الانتقالية في دول أخرى، يمكن أن تسهم في بناء نص متماسك، متوازن، وقابل للصمود أمام التحولات السياسية.
في المحصلة، لا يعبّر الدستور المؤقت عن حلّ سحري لأزمات النظام السياسي الفلسطيني، لكنه قد يشكّل خطوة تأسيسية لإعادة بناء الشرعية الدستورية على أسس أكثر صلابة، ولإدارة المرحلة الراهنة بأدوات قانونية أكثر ملاءمة. وبين واقع قانون أساسي صُمم لمرحلة انتقالية قصيرة عام 1994، وواقع سياسي ممتد ومعقد، تبدو الحاجة إلى إعادة التأطير الدستوري ضرورة وطنية، شرط أن تتم بروح تشاركية، ونقاش عميق، ورؤية تستشرف المستقبل وتتجنب هفوات الماضي.