نشرت في 30 سبتمبر 2026 10:50 ص
https://khbrpress.ps/post/435904
تشتد الهجمة الممنهجة على القائمة الثلاثية المشتركة، المكونة من الجبهة الديمقراطية بقيادة يوسف جبارين، وحزب التجمع بقيادة سامي أبو شحادة، وحزب العربية للتغيير بقيادة دكتور أحمد الطيبي، وكذلك الهجمة على القائمة الموحدة بزعامة، منصور عباس وهو يمثل الحركة الإسلامية الجنوبية، وهذه الهجمة هي الأشرس في تاريخ الانتخابات في إسرائيل، والسؤال المهم هو: هل ستؤثر نتيجة انتخابات هاتين القائمتين الفلسطينيتين على نتائج انتخابات إسرائيل يوم 27/10/2026، وكيف سيكون التأثير؟
أثارت نتائج تكهنات استطلاعات الرأي الإعلامية في هذه الفترة حكومةَ اليمين الحالية، لأن معظم استطلاعات الرأي تشير إلى حقيقتين: الأولى أن القائمتين ستحصلان على 12 مقعداً على الأقل، أما الحقيقة الثانية فهي أن القائمتين العربيتين هما اللتان ستحددان من هي القوة الحزبية القادرة على تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، مع العلم أن الحكومة الإسرائيلية الحالية عملت منذ تأسيسها على منع تقوية القائمة العربية المشتركة على وجه الخصوص، بإغفال متابعة وكشف المتورطين في جرائم القتل في أوساط القرى والمدن الفلسطينية لإضعاف هذه القائمة؛ باعتبار أعضاء القائمتين منتخبين في الكنيست وهم غير قادرين على حل ألغاز هذه الجرائم.. غضت معظم حكومات إسرائيل الطرف عن إلقاء القبض على المتورطين في هذه الجرائم، فقد بلغ عدد القتلى حتى أيلول 2026 حوالى 150 قتيلاً فلسطينياً.
لذلك فقد نشط اليمينيون المتطرفون في تقديم الشكاوى ضد قادة القائمتين العربيتين وفق التسمية الشائعة في إسرائيل. فقد قدموا الشكاوى ضد سامي أبو شحادة لأنه كتب «بوست» يمتدح فيه كارثة السابع من أكتوبر بعد يوم واحد على بدايتها، أي يوم 8/10/2023، فأصدرت لجنة الانتخابات قرارها باستبعاده من الترشح، هو والنائب اليهودي المنصف، عوفر كسيف، هذه القرارات ليست نهائية لأن من يبتُّ في القرار النهائي هو المحكمة العليا.
إن المراهنة على قرارات لجنة الانتخابات ليست سوى مقدمة لإحداث هزة كبيرة في ساحة الانتخابات في أوساط الفلسطينيين الصامدين في أرضهم منذ عام 1948، هذه الهزة تبدأ بخفض نسبة تصويت العرب في الانتخابات، لأن تصويت العرب بنسبة تزيد على 50% يعني أن تحصل الكتلتان على أكثر من 12 عضواً عربياً، إذاً، فإن خفض نسبة تصويت الفلسطينيين هو المشروع السياسي الإسرائيلي الرئيس.
لكي نحصل على إجابة السؤال الأول في المقال، علينا أن نغوص في عمق المجتمع الفلسطيني الصامد منذ عام 1948، فقد شكل الفلسطينيون الصامدون في أرضهم الخطر الأبرز لكل زعماء إسرائيل، فهم بالنسبة لهؤلاء الزعماء الكارثة الكبرى على إسرائيل التي صممت مشروعها الرئيس على أساس مشروع (القومية اليهودية) وقد أقر الكنيست مشروع قانون أساس يوم 19/7/2018، يُحقق مبدأ القومية اليهودية، جاء في بنود هذا القانون: «أرض إسرائيل (كلها) هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، إسرائيل مفتوحة لهجرة اليهود ولمّ شملهم، يقتصر حق تقرير المصير على الشعب اليهودي وحده، اللغة العبرية هي اللغة الرسمية، أما اللغة العربية فهي ذات مكانة. للاستيطان وتطويره مكانة قومية، تدعمه الدولة وتنشطه».
ظل معظم زعماء إسرائيل المتطرفين يرسمون الخطط لإقصاء الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين عن مصدر القرار، لذلك فقد اهتم الزعماء الإسرائيليون الأوائل، خاصة رؤساء الحكومات، بملف تكثيف هجرات اليهود الإسرائيليين لفلسطين.
بدأ ديفيد بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل الأول أول هجرة جماعية لإسرائيل من اليمن بين عامَي 1948-1950، وهي تهجير بوساطة الطائرات لحوالى 50 ألف يهودي يمني بالتعاون مع البريطانيين الذين كانوا في عدن، في عملية البساط السحري أو أجنحة النسور، ولا يجب أن ننسى أن بن غوريون نفسه بنى أول بيت له بالنقب في «سديه بوكر» باعتبار النقب المخزون الإستراتيجي الإسرائيلي لتوطين يهود الدياسبورا.
أما موشيه شاريت، فقد اقتبس من بن غوريون اهتمامه بهجرة اليهود؛ لأنها الوسيلة الوحيدة لإقصاء الفلسطينيين عن موطنهم، فقد شغل منصب رئيس وزراء إسرائيل عندما اعتكف بن غوريون بين عامَي 1954-1955، فقد كان موشيه شاريت قبل رئاسة الوزراء قيادياً في الوكالة اليهودية المسؤولة عن جلب المهاجرين اليهود، عندما تولى رئاسة الوزراء، وكان يعتبر التهجير الإنجاز الأول لحكومته، ثم أصبح رئيساً للمنظمة الصهيونية عام 1960، وهي المسؤولة عن تهجير اليهود لفلسطين. إن هذين الرئيسَين هما رائدَي التأثير في ملف هجرة يهود الدياسبورا مقارنة بكل رؤساء وزراء إسرائيل ممن جاؤوا بعدهم.
ليس ملف تهجير اليهود هو فقط المؤامرة الأولى على بقاء الفلسطينيين الصامدين في أرضهم، بل إن الإسرائيليين حاصروا الفلسطينيين في مدنهم وقراهم، وانتزعوا أملاك كثيرين؛ بزعم أنها ملك لهم منذ 3000 سنة. واستخدموا سلاح المستوطنات لمحاصرة مدن الفلسطينيين وقراهم، وهجَّروهم بادعاء أنهم يسكنون في مناطق يستخدمها الجيش للتدريب العسكري.
ما يحدث في حلبة السياسة بإسرائيل يؤشر على أن هناك توجهاً لدى المتطرفين الإسرائيليين اليمينيين لإنجاز مهمة الإقصاء، ومنع الفلسطينيين من المشاركة في الانتخابات لكيلا يكون لهم تأثير سياسي.
لم تقتصر مؤامرة الإقصاء على السياسيين الإسرائيليين، بل إن الحاخاميين المتطرفين الحريديم شاركوهم في خطتهم، وقد رصدتُ فتوى لهم، نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» يوم 15/2/2009 تقول: «قال الحاخام شلومو أفنير، وهو كبير حاخاميي التيار الديني القومي في موقعه الإلكتروني: يجب ألا يقود إسرائيل غيرُ أبنائها اليهود وفق الشريعة، ووفق أحاديث الحاخام الأكبر، موسى بن ميمون، فمن المحرم أن يكون أي شخص غير يهودي عضواً في الكنيست بدولة إسرائيل، حتى إذا أفرزته الانتخابات».
أعود دائماً إلى كتابٍ نشره الباحث الإسرائيلي المنصف، يائير بويمل، عام 2007، وهو كتاب «ظلال أزرق وأبيض»، هذا الكتاب كشف المخططات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين الصامدين في أرضهم، منذ عام 1958 - 1968، وهي فترة الحكم العسكري. أبرز النقاط الواردة في الكتاب هي: «العرب هم جزء من العرب خارج إسرائيل، وبالتالي فهم خطرٌ من الأخطار، ولأنهم خطر على إسرائيل فقد طُبقت عليهم عدة إجراءات منها: استثناء المدن العربية من خطط التطوير المطبقة على المدن الإسرائيلية، تجاهل وجودهم في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، تعميق الانقسامات الدينية والطائفية بينهم، عزلهم عن السكان اليهود في إسرائيل، إقصاؤهم عن الجيش والإعلام والقضاء والمؤسسات الأكاديمية والشركات الحكومية الكبرى، مصادرة 60% من أراضيهم، أما في التعليم فقد اضطر العرب إلى تأسيس تعليمهم الخاص المسيّر والممول من حكومة إسرائيل، كانت الغاية من ذلك طمس الهوية العربية، (الفلسطينية) وإعداد معلمين فلسطينيين لتبني هذه العقيدة، ومُنع العرب من تحديث تعليمهم، أما في المسار السياسي فقد مُنع العربُ من تأسيس أحزاب عربية منذ عام 1948، ففي عام 1959 أُسِّس حزبٌ عربي واحد هو حزب الأرض ثم أُخرج عن القانون». انتهى الاقتباس من الكتاب.
أتذكر تحقيقاً صحافياً نشرته صحيفة «هآرتس» عن كتابٍ تحريضي ضد العرب، وهو نقيض للكتاب المنصف السابق، عنوانه «الفلسطينيون في إسرائيل أعداء الدولة»، كتبه البروفسور دان شفتان، وهو أستاذ العلاقات العربية الإسرائيلية بجامعة تل أبيب، ورئيس مركز الأمن القومي في حيفا، وهو أحد المعلمين البارزين لكثير من سياسيي إسرائيل، وهو دائم الاستهزاء بالجمهور الفلسطيني يسخر منهم قائلاً: هم بارعون فقط في اختراع فتّة الحمص، شبَّهَ الكاتب الفلسطينيين بالحريديم في إسرائيل، قال: «الفلسطينيون يشبهون طائفة الحريديم اليهودية، فهم كسولون لا يندمجون في مؤسسات الدولة وقطاعاتها، وأن ضائقتهم الاقتصادية هي من صنع أيديهم، فهم لا يرغبون في تبني النهج الحضاري والمشاركة في النهضة الإسرائيلية». (صحيفة «هآرتس» 30/12/2011)
الحقيقة هي أن هناك خطة من بعض منسوبي بقايا اليسار السابقين في هذه الانتخابات ليتمكنوا من أن تكون القائمتان العربيتان رافعة لهم للوصول إلى سدة الحكم، فهم يُظهرون الرغبة في مشاركة القائمتين للحصول على الأصوات الانتخابية، ليس من قبيل إيمانهم بحق القائمتين العربيتين في إدارة سياسات إسرائيل وهو الحق الوطني والحقوقي الديمقراطي الصحيح، بل لرغبتهم في التخلص من دكتاتورية نتنياهو وهيمنة اليمين المتطرف على السياسة في إسرائيل، مع العلم أن هناك كثيرين يستحقون التقدير والاحترام لأنهم مؤمنون بأن الفلسطينيين شركاء حقيقيون، وليسوا براويز يكملون صورة إسرائيل ويحسّنون ديمقراطيتها.
إن عوفر كسيف عضو الكنيست، وعضو الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، نموذج لهؤلاء المخلصين من بقايا اليساريين، ممن يؤمنون بالحق الفلسطيني كحق أصيل.