نشرت في 30 سبتمبر 2026 10:58 ص
https://khbrpress.ps/post/435906
في الوقت الذي ما زالت فيه غزة تعيش آثار حرب لم تُغلق ملفاتها، تتكاثر الخطط والبرامج التي توحي بأن القطاع دخل فعلا مرحلة "اليوم التالي": مجلس سلام برئاسة دونالد ترامب، لجنة وطنية لإدارة غزة، وبرنامج للتعافي خلال الأشهر الستة الأولى يتضمن 66 مشروعا جرى تحديد تكلفتها وأصبحت، وفق القائمين عليه، جاهزة للتنفيذ متى توفر التمويل وإمكانية الوصول والأهم موافقة حكومة اليمين الإسرائيلي. في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن ترامب أن الحرب انتهت، وأن خطته ذات النقاط العشرين أصبحت إطارا للمرحلة الجديدة. يبدو المشهد، للوهلة الأولى، وكأن الانتقال من الحرب إلى إعادة البناء قد بدأ بالفعل. لكن المشكلة أن كثافة الحديث عن المستقبل لا تتطابق بعد مع واقع غزة، وأن ما يبدو حركة واسعة على الورق لا تزال تنقصه شروط أساسية على الأرض.
غزة ليست أمام مرحلة إعادة إعمار طبيعية بعد حرب انتهت، وإنما أمام مجتمع ما زال يعيش حربا مستمرة وتأثيراتها التراكمية. تشير التقديرات الدولية إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال السنوات المقبلة هائلة، علاوة على صعوبة، وربما استحالة، توفر شرطها الأمني والسياسي. ولذلك فإن إعداد مشاريع التعافي وتحديد كلفتها وأولوياتها خطوة مهمة وضرورية، لكنه لا يجعل التعافي ممكنا بمجرد توفير المال. فالمشكلة ليست في نقص المشاريع، وإنما في البيئة السياسية والميدانية التي يفترض أن تنفذ فيها هذه المشاريع، وفي الجهة التي تملك القدرة على ضمان وصول المواد، وحماية العاملين، وفتح المعابر، وتمكين الناس من العودة والاستقرار. وهنا تحديدا تظهر الفجوة بين الخطة والواقع.
فاللجنة الوطنية لإدارة غزة، برئاسة علي شعث، تقدم تصورا يحمل مفردات فلسطينية واضحة: الملكية الفلسطينية، حماية الحقوق، الوحدة الجغرافية، مشاركة المجتمع والشفافية. وهي مبادئ لا خلاف على أهميتها، لكن اللجنة لا تصبح صاحبة سلطة فعلية لمجرد تشكيلها أو منحها اسما فلسطينيا. فإذا ظلت السيطرة الفعلية على أجزاء أساسية من الأرض والمعابر وحركة الأشخاص والبضائع والأمن خارج يدها، فإنها قد تجد نفسها مسؤولة عن إدارة نتائج الحرب، من دون امتلاك الأدوات التي تتحكم في أسبابها. وهذا هو الخطر الحقيقي، أن تتحول الإدارة الفلسطينية إلى واجهة لإدارة مرحلة انتقالية تحدد شروطها قوى أخرى.
وتزداد المسألة تعقيدا عندما ننظر إلى الخطاب الإسرائيلي الموازي. ففي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن انتهاء الحرب وإعادة الإعمار، يواصل مسؤولون إسرائيليون الحديث عن ترتيبات مختلفة لمستقبل غزة، بما في ذلك السيطرة على مناطق داخل القطاع، وتشجيع الهجرة، وعدم الانسحاب الكامل. وقد قال وزير جيش الاحتلال كاتس إن خطة تشجيع هجرة سكان غزة لم تُلغَ وإنما جُمّدت بقرار أميركي، فيما تحدث بن غفير بصراحة عن خطط لإخراج سكان القطاع. وفي المقابل، تؤكد حكومة اليمين المتطرف أن لديها أهدافا أمنية في غزة وأنها لا تعتزم الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها. هذه المواقف لا تعني بالضرورة أن كل ما يقال في واشنطن يطابق ما تريده إسرائيل، لكنها تكشف أن مستقبل غزة لم يُحسم بعد، وأن الحديث عن إعادة الإعمار يجري فوق أرض ما زالت موضع صراع على السيطرة والسكان والجغرافيا.
من هنا يصبح "اليوم التالي" أكثر من برنامج لإصلاح ما دمرته الحرب. إنه صراع على شكل غزة المقبلة، وعلى من يديرها، وعلى علاقتها ببقية فلسطين، وعلى حدود الدور الدولي فيها. ولذلك فإن إعادة بناء مستشفى أو مدرسة أو طريق لا تكفي وحدها إذا بقيت البيئة التي دمرت هذه المؤسسات قابلة لإعادة إنتاج نفسها. غزة تحتاج إلى شروط سياسية وميدانية تسمح لمشاريع التعافي بأن تتحول إلى حياة مستقرة، لا إلى إدارة طويلة الأمد لمجتمع منكوب.
وفي هذا السياق، يبدو الانشغال الفلسطيني بالانتخابات، رغم أهميته في تجديد الشرعية، أقل من أن يحمل وحده عبء المرحلة المقبلة. فالانتخابات لا تحسم بمفردها قضايا الانقسام، وإصلاح منظمة التحرير، والعلاقة بين السلطة والمقاومة، وشكل الحكم في غزة، ولا تعيد تلقائيا بناء المشروع الوطني الذي تعرض لاختبار بالغ القسوة. تجديد الشرعية مهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن إعادة بناء الإطار السياسي الفلسطيني القادر على التعامل مع المرحلة الجديدة.
لذلك فإن أكثر ما يستحق الانتباه في المشهد الراهن هو الفجوة بين كثافة الكلام عن التعافي وبين الشروط التي لم تتغير بما يكفي على الأرض. هناك مجلس سلام، ولجنة وطنية، ومشاريع جاهزة، ووعود بالتمويل، وخطط دولية؛ لكن الواقع لا يزال يحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن تتطابق هذه الخطط مع قدرة الفلسطينيين على العودة، والحركة، وإدارة حياتهم، والوصول إلى أرضهم ومواردهم، والمشاركة الفعلية في تقرير مستقبلهم. وإلا فإن كثرة الخطط قد تتحول، من حيث لا يريد أصحابها أو يريدون، إلى وسيلة لكسب الوقت وتسكين الألم وإدارة الكارثة، بينما يستمر الواقع في التشكل بعيدا عن أصحاب الأرض. وهنا تستعيد حكاية "طبخ الحصى" معناها؛ ليست المشكلة أن مشاريع التعافي غير ضرورية، ولا أن الوعود بإعادة الإعمار بلا قيمة، وإنما أن الحديث عن المستقبل لا يصنع المستقبل إذا بقيت شروطه الأساسية غائبة. غزة لا تحتاج فقط إلى خطة تقول إن التعافي سيبدأ، بل إلى واقع يجعل التعافي ممكنا.