نشرت في 27 أكتوبر 2026 12:00 ص
https://khbrpress.ps/post/437107
يُفترض أن يُقر الكونغرس في العام القادم مادة تُعرف بالبند 224 ضمن تفويض قانون الدفاع الوطني لعام 2027. هذه المادة وثيقة الصلة بما سبق وتكلمنا عنه في مسألة الوراثة والتوريث بين القوتين الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، وما يحكمها من ديناميات وخصوصيات. والمهم أن المادة المعنية تندرج تحت العنوان التالي: «مبادرة التعاون في تكنولوجيا الدفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل».
ولنقل، إن هذا أمر غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين البلدين، ودلالته المباشرة في التحليل الأخير هي منح الدولة الإسرائيلية مكانة فريدة أعلى وأغلى من علاقة الولايات المتحدة بشركائها في حلف الناتو، وتمكينها من المشاركة الفعلية في عمليات التخطيط، والاستثمار، والإنتاج والتوريد، في السياسات والصناعات والتكنولوجيا الأميركية. بمعنى آخر، يمكن تحويل قطاعات واسعة من الصناعة العسكرية الإسرائيلية إلى مصدر توريد لتغطية حاجات الجيش الأميركي. وهذا من شأنه توفير عوائد مالية أكبر من المعونة الأميركية.
يفسّر هذا الأمر كلام نتنياهو عن حاجة إسرائيل للفطام، وضرورة الاستعداد للاستغناء عن المعونة الأميركية، بصفة تدريجية، على مدار عقد من الزمن. وقد صدر هذا الكلام عن إدراك مُسبق لحقيقة أن مكانة إسرائيل تشهد تدهوراً ملحوظاً لدى قطاعات واسعة من الأميركيين، وأن هذا من شأنه أن ينعكس سلباً على العلاقات الحميمة بين البلدين، كما استقرت حتى وقت قريب. لذا، في وسعنا النظر إلى البند 224 كخطوة احترازية لقطع الطريق على، وتدارك، الآثار السلبية لتدهور العلاقات، ومحاولة تفادي فتور العلاقة بتفعيل آليات جديدة، ناهيك عن دفع العلاقة نفسها إلى درجة أعلى من الديمومة والصلابة.
استندت العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، حتى وقت قريب، إلى رافعتين أساسيتين هما التعاطف الشعبي العابر للتحيّزات الحزبية، وجماعات الضغط المحترفة والمسجلة رسميا بهذه الصفة. ومن شأن البند 224 التأسيس لرافعة جديدة أصلب وأكثر تعقيداً، لا تتأثر بالمزاج الشعبي، ولا تحتاج مهارات جماعات الضغط التقليدية. هذا لا يعني إسقاط الرافعتين التقليديتين بطبيعة الحال، بقدر ما يعني الرهان على علاقة بنيوية جديدة. ومن نافلة القول، إن رفع العلاقة التقليدية (التي شهدت قفزة استثنائية بعد حرب حزيران 1967) إلى مرتبة العلاقة البنيوية لم يكن ليتأتى دون وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض.
يندرج ما ذكرنا، حتى الآن، في سياق الكلام عن الظاهرة الترامبية. وما لم يتمكن الأميركيون من تفعيل المادة 25 من الدستور، التي تنص على عزل الرئيس، طالما لم يعد قادراً، لأسباب جسدية أو عقلية، على القيام بمهام عمله، فمن المنطقي التفكير في محاولة مستميتة من جانب نتنياهو (وخلفائه) للاستفادة من نافذة ستبقى مفتوحة على مدار عامين قادمين هما ما تبقى لترامب من ولايته الثانية في البيت الأبيض.
على أي حال، لا معنى للنافذة المفتوحة في نظر نتنياهو (وخلفائه على رأس الحكومة الإسرائيلية) خارج التصوّرات وثيقة الصلة بسحق القوّة الإيرانية، وتصفية المسألة الفلسطينية، وتكريس صعود القوّة الإسرائيلية بالتعاون مع الإبراهيميين في إطار منظومة إقليمية جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني، تكفل تدشين عهد «السلام الإسرائيلي» وتقوم مقام بنيته التحتية.
وما يعنينا أن أخطر ما تنطوي عليه تصوّرات كهذه يتجلى في تمثيلات مختلفة لقناعات تبدو راسخة لدى شرائح واسعة في المعسكر القومي ـ الديني في إسرائيل، والمجتمع الإسرائيلي عموماً (بمعنى أن هذا يتجاوز الخيارات الشخصية لنتنياهو) والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، باستحالة الوصول إلى مرحلة «السلام الإسرائيلي» دون صدمة القوة الغاشمة والسافرة، التي تقلب موازين القوّة، والمألوف والمعروف من سيناريوهات «الحرب» و»السلام».
واللافت، في هذا الشأن، هو النماذج التي يستخدمونها، خاصة في السنوات القليلة الماضية، في معرض التدليل على ضرورة وفعالية «صدمة القوة الغاشمة والسافرة». وغالباً ما يلجأ هؤلاء إلى المشاهد الختامية الأخيرة للحرب العالمية الثانية، أي حسم الأميركيين للحرب باستخدام القنابل النووية، وتدمير ألمانيا النازية، كوسائل إيضاح لخيارات عسكرية وسياسية حاسمة رفعت الولايات المتحدة إلى قمة العالم، ووفرت السلام للعالم الحر على مدار عقود طويلة لاحقة، وانتهت بانتصار العالم الحر نفسه في الحرب الباردة.
لا يصعب، بالتأكيد، استنتاج الدلالات العملية المرعبة لتصوّرات كهذه، وما تُحرّض عليه من خيارات وسيناريوهات. بمعنى أكثر مباشرة، فلنقل، إن السباق مع الزمن يجعل من العامين القادمين، وربما الأشهر القليلة القادمة الأخطر في تاريخ الشرق الأوسط والعالم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومع ذلك، لا يصعب التفكير، أيضاً، في حقيقة أن عالم المشاهد الأخيرة في آسيا الشرقية، وأوروبا الوسطى، وبقية مسارح العمليات في نهاية الحرب العالمية الثانية، يختلف عن عالم آسيا الغربية، والشرق الأوسط، والمسارح الفعلية والمحتملة للعمليات العسكرية في نهايات العقد الثالث من هذا القرن.
والأهم من هذا كله أن منطق القوة الغاشمة والسافرة يمكن أن يرتد على الإسرائيليين أنفسهم بطريقة سلبية تماماً، تجعل من «سلام يدوم» (السلام الذي حلم به نتنياهو في: «سلام دائم: إسرائيل ومكانها بين الأمم») فاتحة الحرب الدائمة. علاوة، طبعاً، على مخاطر مألوفة ومعروفة، تفيض بها ذاكرة التاريخ، عن سباق أيديولوجيا الخلاص، والقيامة الآن، مع الزمن، في محاولة للعبور إلى مستقبل منشود بالقفز من نافذة، وما أدراك كيف يكون، إذا كانت ضيقة!!