بقلم عماد الدين حسين

ترامب، وحده، لا يرى هزيمته

نشرت في 15 أغسطس 2026 10:28 ص

بقلم عماد الدين حسين

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/433945



 

«دخلت الإدارة الأميركية معارك الشرق الأوسط بهدف إعادة تشكيل المنطقة، لكن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت عن أن أميركا خسرت نفوذاً ورصيداً إستراتيجياً أكثر مما كسبت».
العبارة السابقة ليست من تأليفي أو تخيلي، وإن كنت قلتها كثيراً في هذا المكان في الأسابيع الأخيرة، لكن العبارة للكاتب الأميركي المعروف في صحيفة «نيويورك تايمز»، توماس فريدمان، في مقال أخير له نُشر قبل أيام قليلة.
ما قاله فريدمان يقوله العديد من الخبراء والمحللين الأميركيين والأوروبيين والروس والصينيين، والعرب. الوحيد الذي ينكره هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يكرر صباح مساء وبلا ملل أن بلاده انتصرت انتصاراً ساحقاً وإيران انهزمت هزيمة منكرة وأن قواتها البرية والبحرية والجوية تدمرت وجيشها انهار وأفراده لا يتسلمون رواتبهم واقتصاد الدولة على شفا الإفلاس.
قد يكون كلام ترامب صحيحاً عن خسائر إيران، لكن ما دام أن كل ما سبق لم يؤدِّ إلى انهيار النظام حتى الآن فأميركا لم تنتصر.
الحروب لا تقاس نتائجها فقط بالخسائر البشرية والاقتصادية، وهي مهمة جداً، لكنها تقاس أساساً بالنتائج السياسية.
ترامب ونتنياهو أعلنا أهدافها الأساسية حينما شنّا الحرب على إيران في ٢٨ شباط الماضي، وقبلها في شهر حزيران من العام الماضي، هذه الأهداف تتمثل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني والقضاء على النظام الصاروخي، وعلى وكلاء إيران في المنطقة، وإسقاط النظام الإيراني وإحلال نظام موالٍ لهما، وسمعنا عن أسماء محددة يتم تجهيزها، وميليشيات جرى إمدادها بالسلاح وخدمة إنترنت مفتوحة كي تتحرك الجموع الغاضبة ضد النظام الإيراني.
نتنياهو خدع ترامب بمهارة شديدة خلال لقائهما الشهير في ١١ شباط قبل الحرب لـ١٧ يوماً وقال له: إن النظام الإيراني سيسقط بعد أيام على بدء الضربات، وترامب تصور أن الأمور سوف تسير بنفس السيناريو الذي جرى مع الرئيس الفنزويلي السابق، نيكولاس مادورو، الذي جرى القبض عليه في حجرة نومه واقتياده إلى محكمة في نيويورك. والمؤكد أن ترامب اعتقد أن هذا المشهد الهوليوودي سيتكرر مع قادة إيران وسيدخله التاريخ من أوسع أبوابه، والأهم سيجعله المتحكم الأول في نفط العالم، وبالتالي يستطيع أن يساوم ويبتز الصين والهند وأوروبا واليابان التي تعتمد على نفط المنطقة.
لكن الذي حدث على أرض الواقع مختلف تماماً حتى هذه اللحظة، وأكرر حتى هذه اللحظة لأننا لا نعرف هل ستحدث مفاجآت في الأيام والأسابيع المقبلة، أم لا، وهل تتغير الموازين العسكرية أم لا، وهل تلجأ أميركا وإسرائيل من باب اليأس إلى استخدام أسلحة دمار شاملة أم لا.
حتى هذه اللحظة ورغم الضربات الصعبة التي تعرضت لها إيران، فإنها حققت صموداً عسكرياً واضحاً. ووجهت ضربات صعبة للقواعد الأميركية في المنطقة وكذلك لإسرائيل.
دخلت أميركا الحرب وهي تريد تحقيق الأهداف التي تحدثنا عنها، وانتهى الأمر بأنها تتفاوض الآن على مجرد فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً بالفعل ومجاناً للجميع.
إيران تستخدمه كسلاح نووي فعلي وتريد استخدامه كورقة دائمة في أي مواجهة. 
اختفى الحديث تماماً عن البرنامج النووي أو الصاروخي، أو أذرع إيران التي لا تزال تلعب دوراً مهماً ونرى الاعتداءات من الحوثيين والحشد الشعبي على السعودية وغيرها.
حتى هذه اللحظة لا يمانع ترامب في أي اتفاق ما دام أنه سيؤدي إلى فتح مضيق هرمز بحيث تنخفض أسعار البترول حتى لا يؤثر على فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في أوائل تشرين الثاني المقبل.
النظام الإيراني لم يكتفِ في الأيام الأخيرة بتحدي الولايات المتحدة، بل إنه بدأ يرفع سقف مطالبه ويغالي فيها بدرجة تثير الدهشة، فهو يريد تعويضاً عن العدوان، ويريد الإفراج عن الأرصدة المجمدة، ويريد رسوماً على المرور في مضيق هرمز، ويريد انسحاباً أميركياً من محيط إيران، ويريد تسوية سلمية في لبنان وغزة.
بالطبع النظام في إيران يدرك أن هذه المطالب مبالغ فيها تماماً، على الأقل بسبب وجود حكومة متطرفة في إسرائيل، لن نقبل ببقاء إيران قوية. وليس عندي شك في أنه إذا فاز الائتلاف المتطرف في انتخابات إسرائيل أواخر تشرين الأول المقبل، وإذا حافظ الحزب الجمهوري على أغلبية الكونغرس بمجلسَيه، فسوف يعودان إلى مهاجمة إيران لتركيعها والهيمنة على المنطقة والعمل على إشعال حرب عربية إيرانية، أو سنية شيعية بكل السبل.
لكن وما دام أن ذلك لم يحدث حتى الآن فالولايات المتحدة تلقت هزيمة إستراتيجية في المنطقة. وإذا تم تثبيت ذلك على الأرض فسوف نرى تداعيات مهمة جداً في المستقبل، أهمها أن دول الخليج فقدت الثقة في أميركا وتبحث عن تحالفات جديدة وهو موضوع يستحق نقاشاً لاحقاً إن شاء الله.