نشرت في 19 مايو 2026 11:20 ص
https://khbrpress.ps/post/430459
كانت خصوصية العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، وما زالت، موضوع سجالات لا تنتهي.
وما يعنينا منها، اليوم، يتمثل في إلقاء ضوء على فرضيات انتقلت من الهامش إلى المتن.
وهذا وثيق الصلة بشخص اسمه دونالد ترامب أوصل العلاقة في ولايتين رئاسيتين (الثانية لم تكتمل بعد) إلى ذروة غير مسبوقة، حتى بمعايير العلاقة الاستثنائية نفسها، ولا يبدو من السابق لأوانه القول إن الذروة غير المسبوقة قد تكون بداية خطها البياني الهابط، أيضاً.
يروي إيهود أولمرت، في مذكراته، كلاماً ذكره الرئيس الأميركي كلينتون لصديق بعد اجتماع مُغلق بينه وبين نتنياهو، في البيت الأبيض، في نهاية التسعينيات، وقد سمعه من الصديق الذي لم يذكر اسمه.
قال كلينتون لصديقه: لم يكن من الواضح مَنْ منّا قائد القوّة العظمى في العالم، ومَنْ قائد الدولة التابعة.
والواقع أن مذكرات أولمرت (2022) تزوّد المُغرمين بالتلصص على خصوصية العلاقة بوقائع مثيرة منها تأنيب إسحق شامير لجيمس بيكر وزير الخارجية في عهد بوش الأب.
وتأنيبه هو لكوندليزا رايس، وزيرة الخارجية، ومستشارة الأمن القومي، في عهد بوش الابن، وقد تداركتْ الموقف بالاعتذار، «لأنها تجاوزت حدودها».
وهناك بطبيعة الحال المعاملة المهينة التي نالها باراك أوباما من نتنياهو، الذي تحداه علانية في عقر دار القوّة العظمى، والسلطة الإمبراطورية، أي في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين.
ومع ذلك، وعلى الرغم مما تنطوي عليه وقائع كهذه من دلالات، وما تحتمل من تأويلات، إلا أن تضافر شخصية ترامب مع خصوصية العلاقة خلق واقعاً غير مسبوق في تاريخ السياسة الأميركية، والعلاقات الدولية.
فلم يسبق أن صعد إلى سدة الحكم في أميركا شخص بمؤهلات دونالد ترامب العقلية والسياسية، وهي فقيرة تماماً، ومُخزية.
ولم يسبق أن غامر أشخاص من التيار الرئيس، وهم أصحاب مؤهلات عالية، بالكلام عن وقوع أميركا «رهينة» في يد قوّة أجنبية شاءت الأقدار أن تكون هي الطرف الآخر في العلاقة الاستثنائية نفسها.
وما ينبغي قوله الآن إن هذا التضافر، بالذات، هو الذي يرجّح تحويل اللحظة الترامبية، في التاريخ الأميركي، إلى ذروة للعلاقة الاستثنائية، وبداية خطها البياني الهابط في آن.
وبما أن اللحظة الترامبية لم تنتهِ بعد، وكذلك تداعياتها القريبة والبعيدة، فإنها تبدو عصية على التعريف، وقد لا يتمكن أحد من تشخيصها، بصورة كافية، قبل فترة طويلة من الوقت. هل هي:
أعلى مراحل مجتمع الفرجة، أم لحظة المرشح المنشوري التي طالما أثارت الذعر في المخيال السياسي الأميركي؟
وهل هي: عرضٌ لمرض الإمبراطورية أم هي المرض نفسه؟
وهل هي لحظة انتقالية ملتبسة ومُفزعة بين جديد لم يولد وقديم لم يمت بعد؟
وإن كان كذلك، فما هو؟ الواقع متعدد المرايا والطبقات، كما نعلم، ويُحرّض بالتأكيد على الاستعانة بأسئلة كهذه، وإجاباتها المحتملة، في كل محاولة لتشخيص اللحظة المعنية وتعريفها.
مهما يكن من أمر، لم يحصل فيليب روث، وهو أحد أهم الروائيين الأميركيين في النصف الثاني من القرن العشرين، على ما يكفي من العمر للعيش في زمن ولاية ترامب الثانية.
فقد فارق الحياة في ولايته الأولى، بعد عامين تقريباً. ولكنها كانت كافية للسخرية من كفاءة ترامب العقلية وثروته اللغوية «التي لا تزيد عن خمسين مفردة».
وينبغي أن نذكر، هنا، أن روث نشر رواية «المؤامرة على أميركا» (2004) وفيها عناصر بيوغرافية لا تغفلها العين، قبل صعود ترامب، واعتُبرت في حينها رسالة تحذير من هشاشة النظام الديمقراطي، ومخاطر الشعبوية، وصعود الفاشية في الولايات المتحدة.
وقد عقد حبكتها الرئيسة، كما تراءت لصبي يهودي في أميركا مطلع الأربعينيات، حول شخص يُدعى لندبرغ، وفنتازيا وتداعيات فوزه المتخيّل بشعار «أميركا أولاً» في الانتخابات الرئاسية على روزفلت.
المفارقة اللاذعة، فعلاً، أن شارل لندبرغ الحقيقي كان خطيباً مفوّهاً وكاتباً ناجحاً (فاز بجائزة بوليتزر) ومن أبطال عصر الطيران الأوائل (قاد طائرة بمفرده عبر الأطلنطي من نيويورك إلى باريس) بل وشارك كطيار متطوع في الحرب العالمية الثانية، وهي مؤهلات شخصية ساحقة، وظالمة تماماً، في حال المقارنة مع تاجر العقارات ترامب، الذي يبدو، رغم إجحاف المقارنة، أفضل حظاً منه، فقد تمكّن من الاستيلاء على البيت الأبيض بشعار «أميركا أولاً» وثروة لغوية لا تزيد عن خمسين مفردة، وما لا يحصى من علامات الاستفهام، التي رافقته على امتداد حياة تبدو ملفقة وغامضة إلى حد بعيد.
على أي حال، إذا شئنا اختزال ما تقدّم في عبارات قليلة فلنقل إن تضافر حرب الإبادة في غزة، مع فضيحة إبستين التي لم تتكشف خيوطها بعد، مع الحرب على إيران، والعلاقة العضوية بين الحربين والفضيحة، وما لها فرادى ومجتمعة من تداعيات قريبة وبعيدة، بترامب من ناحية، وإسرائيل من ناحية ثانية، قد خلق واقعاً غير مسبوق في تاريخ العلاقة، فأوصلها إلى الذروة، وفرض عليها خطاً بيانياً هابطاً.
ويبقى هذا الشأن تشخيص حالتي ذروة العلاقة وهبوطها، وقد اندمجتا معاً في لحظة واحدة، والتمثيل لهما في الحالتين، بما يكفي من الشواهد، وهذا ما ينتظرنا في معالجة لاحقة. فاصل ونواصل.