تقرير: انتهت الحرب.. وظلت أرامل غزة يحملن أثقالها

نشرت في 08 يوليو 2026 11:32 ص

سنابل الغول - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432344

في غرفة صغيرة مكتظة ومعتمة تفتقر لأبسط ملامح الحياة، داخل أحد الأحياء العشوائية بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تعيش ختام عبد (34 عامًا) مع أطفالها الأربعة، بعد أن فقدت زوجها إثر سكتة قلبية مفاجئة قبل عام، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة القاسية.

تحدثت ختام عن بداية معاناتها قائلة: "عندما رحل زوجي فجأة وجدت نفسي أمام مسؤولية أربعة أطفال ومجتمع لا يرحم وتقاليده ظالمة. كنت ما زلت في فترة العدة، وكانت الحرب في عامها الأول، ولم يكن معي مال ولا طعام أسد به جوع أطفالي".

وأضافت أنها اضطرت للبحث عن مخرج لإنقاذ أطفالها من الجوع، فتوجهت إلى أحد الشيوخ وشرحت له ظروفها الصعبة، فسمح لها بالعمل ضمن ضوابط شرعية بعد مرور شهر فقط من العدة. وقالت: "في سبيل إعالة أطفالي تحملت نظرة المجتمع واتهامات كثيرة، لكنني لم أكن أملك خيارًا آخر".

وأوضحت ختام أنها عملت في مبادرات إغاثية مقابل أجورًا بسيطة لا تتجاوز أحيانًا تكلفة المواصلات أو طردًا غذائيًا محدودًا. وقالت: "كنت أخرج منذ الصباح وحتى المساء في أعمال شاقة على جسدي، أوزع الطرود الغذائية بينما كان أطفالي ينتظرونني في البيت وهم يتضورون جوعًا. الجوع كان يشتد يومًا بعد يوم، وأسعار الخضروات مرتفعة، والطحين شحيح، وكنت أقاتل لأجلهم بكل ما أستطيع".

وأضافت أن انتهاء الحرب لم ينهِ معاناتها، بل ما زالت تعيش ظروفًا اقتصادية قاسية في ظل غياب فرص العمل ومصادر الدخل. وتابعت: "حتى ذلك العمل الشاق لم يعد متوفرًا، والوضع ما زال معدومًا بشكل لا يوصف".

وتحدثت ختام عن التغيرات الكبيرة التي طرأت على الحياة المعيشية بعد الحرب، قائلة: "قبل الحرب كان مبلغ 200 شيكل يكفي احتياجات البيت الأساسية، وأستطيع شراء ملابس لأطفالي وتأمين مستلزماتهم. أما اليوم فكل شيء أصبح مرتفع الثمن وصعب المنال، من الطعام إلى الخضروات والفواكه. كنا نشتري كيلو من كل نوع فاكهة، أما الآن فنشتري حبتين من صنف واحد ونتقاسمهما".

وأكدت أن أطفالها الأيتام لا يحصلون على أي رعاية أو كفالة رغم تسجيل بياناتهم لدى جهات مختلفة. وقالت: "قبل الحرب كان للأيتام والأرامل حقوق ومساعدات، أما الآن فنحن نعاني ونُطحن تحت أنقاض المعاناة".

وأشارت إلى أنها تعجز في كثير من الأحيان عن توفير الاحتياجات اليومية الأساسية لأسرتها، مضيفة: "عندما أملك المال أشتري بعض الخضروات ليوم واحد فقط، وعندما لا أملك أضطر إلى الاستلاف من أهل الخير حتى تتوفر معي بعض النقود".

كما تحدثت عن أزمة المياه التي تواجهها يوميًا، وقالت: "كان اليوم شاقًا فقط للحصول على مياه صالحة للشرب. البائع لم يجلب كمية تكفي الحي، ولا أستطيع شراء المياه المعدنية بسبب ارتفاع سعرها. أما مياه الاستخدام اليومي فلم تصلنا منذ أسبوع".

وعن أثر هذه الظروف على صحتها النفسية والجسدية، قالت ختام: "حالتي النفسية سيئة جدًا بسبب الضغوط والحرمان وعدم وجود مصدر دخل ثابت. كثيرًا ما أُغمى عليّ في الشارع بسبب التوتر والعجز، وأعاني من ضيق في التنفس ونوبات إرهاق نتيجة التفكير المستمر في كيفية تلبية احتياجات أطفالي".

وتروي ختام إحدى اللحظات التي تختصر حجم ما تعيشه من ضغوط، فتقول إنها أُسعفت إلى المستشفى بعد أن فقدت وعيها عند مفترق طريق نتيجة الإرهاق والتوتر. هناك، نصحها الطبيب بالابتعاد عن الضغوط النفسية باعتبارها السبب الرئيسي لما تعانيه من أعراض صحية متكررة. تستعيد تلك اللحظة بضحكة ساخرة ممزوجة بالوجع قائلة: "سألته إن كان هناك علاج لحالتي، فقال لي: ابتعدي عن التوتر. كيف يمكن أن يحدث ذلك وأنا أعيش في غزة؟ هنا أصبح الضغط النفسي جزءًا من حياتنا اليومية، ولا نستطيع الهروب منه".

وانتقدت ختام آليات توزيع المساعدات الإنسانية، مؤكدة أنها لا تشعر بوجود عدالة في وصول الدعم إلى الأسر الأكثر احتياجًا. وقالت: "رغم أنني أرملة وأم لأربعة أطفال أيتام، لم تصلني مساعدات تذكر. حتى الأكواد المالية تبدو وكأنها توزع بشكل عشوائي مثل اليانصيب، رغم أنني أحدث بياناتي باستمرار".

وأضافت أنها تسمع كثيرًا عن المؤسسات والجمعيات الإغاثية، لكنها لم تلمس أثرًا حقيقيًا لها في حياتها اليومية. وأوضحت أن آخر مساعدة غذائية حصلت عليها كانت قبل نحو شهر ونصف من برنامج الغذاء العالمي، وكانت عبارة عن معلبات لم تجدها مناسبة لأطفالها، ما اضطرها لبيعها وشراء خضروات بثمنها لإعداد وجبة طعام.

أما الحصول على الخبز، فتصفه ختام بأنه "كابوس يومي". وقالت: "أوقظ ابني عند السادسة صباحًا ليقف ساعات طويلة في الطابور للحصول على ربطة خبز، وأحيانًا يعود خالي اليدين. عندها تبدأ رحلة أخرى من المعاناة والانتظار في أماكن أبعد. ولا أستطيع خبز الخبز في المنزل بسبب ارتفاع أسعار الحطب وعدم قدرتي على توفير ثمنه".

وتابعت: "الكهرباء والوقود أصبحا من الكماليات بالنسبة لنا، فلا أملك ثمنهما، كما أن الاشتراك بالمولدات الكهربائية مكلف للغاية".

وختمت حديثها بوصف معاناة أطفالها أثناء محاولتهم الحصول على المياه الصالحة للشرب، قائلة: "في زحام طوابير المياه يتعرض أطفالي أحيانًا للدفع والضرب وسط التدافع على سيارة المياه. الجميع يتعامل مع الأمر وكأنه معركة يجب الفوز بها، وكثيرًا ما يعود أطفالي خاسرين بعد ساعات طويلة من الانتظار".

وبينما تستعد ختام ليوم جديد شاق؛ للبحث عن خبز وماء وطعام يسد رمق جوع أطفالها، تُدرك أن معركتها مع الحياة أصبحت معركة يومية؛ لأجل البقاء، تشترك فيها مع آلاف الأرامل في قطاع غزة، اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة الفقر والجوع والمسؤولية وحيدات، في ظل أوضاع إنسانية واقتصادية تزداد قسوة يومًا بعد يوم.

وفي صدد ذلك، أفاد عوض ساق الله، مسؤول ملف الأيتام بوزارة التنمية الاجتماعية، على أن الحرب أحدثت قفزة غير مسبوقة في أعداد الأرامل، فتبعاً لبيانات المنظومة الوطنية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، بلغ عدد النساء اللواتي أصبحن أرامل نتيجة الحرب نحو 13,500 امرأة، موزعات على مختلف محافظات قطاع غزة، وهو رقم يفوق بكثير المتوسط السنوي المسجّل في الأعوام السابقة للحرب، حيث كانت الزيادة السنوية تُقدَّر بآلاف أقل وعلى فترات زمنية أطول.

وفيما يتعلق بتنفيذ برامج تمكين اقتصادي في الوقت الراهن يقول عوض: إنه يتعذر على وزارة التنمية الاجتماعية أن تقوم بذلك بسبب ضعف إدخال المساعدات والتمويلات المخصصة للبرامج التنموية، إضافة إلى القيود المفروضة على الحركة، وتدمير البنية التحتية. 

من جهته أشار المحامي بكر التركماني منسق التحقيقات والشكاوى في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، إلى أن انهيار المنظومة المعيشية فرض ضغوطًا مزدوجة؛ حيث باتت عائلات الأرامل عاجزة عن استيعابهن مع أطفالهن نتيجة فقدان المساكن وانعدام الموارد.

كما أكد على وجود عجز حقيقي في تحصيل الالتزامات المالية والنفقة، وهو ما يجعل المطالبة بهذه الحقوق القانونية “أمرًا متعذر التطبيق” في ظل الانهيار الاقتصادي الشامل الذي يعصف بالقطاع.

وفي وقت تتزايد فيه أعداد الأرامل في قطاع غزة بصورة غير مسبوقة، تبقى ختام واحدة من آلاف النساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة معيلات لأسرهن في ظل انهيار اقتصادي وإنساني متواصل. وبين غياب الحماية الاجتماعية الكافية وتراجع فرص العمل، تتحول معركة البقاء بالنسبة لكثير من الأرامل إلى تحدٍّ يومي يبدأ بتأمين رغيف الخبز ولا ينتهي عند حدود تأمين مستقبل أبنائهن.