نشرت في 28 يوليو 2026 06:52 م
https://khbrpress.ps/post/433194
من مشروع هدفه إعادة الحياة إلى قرى جبلية مهجورة في شمال إيطاليا، إلى قضية سياسية وأمنية مشحونة باتهامات بـ”الاستيطان الصهيوني” ومحاولات “اختراق” الأراضي الإيطالية، تحولت إقامة نحو 250 إسرائيليًا في منطقة فالسيسيا إلى محور احتجاجات محلية ونظريات مؤامرة وتهديدات مباشرة، كان أخطرها إرسال رصاصة ورسالة تهديد إلى بلدية فارالو.
وبحسب تقرير للصحافي دانيال أرزي في موقع “ماكو” الإسرائيلي، نقله موقع ليبانون ديبايت اللبناني، تقع منطقة فالسيسيا تحت قمم جبل مونتي روزا في شمال إيطاليا، حيث شكّلت منحدراتها الحادة والغنية بالغابات، على مدى أجيال، ملاذًا أخضر وهادئًا.
وطوال سنوات، كان القلق الأساسي لدى رؤساء السلطات المحلية في هذه المنطقة النائية من جبال الألب يتمثل في التراجع الديموغرافي، بعدما أُفرغت قرى كاملة من سكانها نتيجة انتقال الأجيال الشابة إلى تورينو أو ميلانو بحثًا عن فرص العمل.
وفي ظل هذا الفراغ، أُطلق عام 2022 “مشروع بايتا”، بمبادرة من أوغو لوتساتي، بهدف إعادة إسكان القرى المهجورة من خلال استقطاب عائلات تبحث عن أسلوب حياة جديد.
وخلال السنوات الأخيرة، نجح المشروع في جذب نحو 150 عائلة إسرائيلية، تضم قرابة 250 شخصًا، إلى بلدات في المنطقة، من بينها فارالو.
وبعيدًا عن الصورة التي يجري ترويجها عن “رواد عدوانيين”، وصلت هذه العائلات أساسًا بحثًا عن ملاذ من التوتر المتواصل وصدمة الحرب. واشترت منازل تاريخية مهملة، ورممت أسقفًا متضررة ومتسربة، كما ترك وجودها أثرًا مباشرًا في البيئة المحلية.
وساهم انضمام نحو 70 طفلًا إلى النظام التعليمي المحلي في منع إغلاق مدارس ريفية كانت مهددة بالتوقف.
وقال لوتساتي: “في الحياة اليومية، لم يواجه أي إسرائيلي مشكلات مع الإيطاليين، والعكس صحيح أيضًا. في فالسيسيا تسود أجواء من السلام والهدوء، والجريمة تكاد تكون معدومة”.
لكن هذا الواقع الهادئ واجه موجة معاكسة متصاعدة، بلغت ذروتها في نهاية حزيران، عندما أُرسلت رصاصة ورسالة كُتب فيها: “هذا هو التحذير الوحيد قبل أن نبدأ بإطلاق النار”.
وعلى امتداد إيطاليا، تحول استقرار العائلات بهدوء في جبال الألب إلى أرض خصبة لنظريات المؤامرة، والتعبيرات المعادية لليهود عبر الإنترنت، ومخاوف أوسع مرتبطة بمشاريع سياحية فاخرة في جنوب البلاد.
وهكذا، وجد مشروع ديموغرافي محلي نفسه في قلب سجال عام ورقمي شديد الاستقطاب.
ورغم استمرار الحياة اليومية الهادئة في فالسيسيا، ظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي سرد مختلف تمامًا، إذ بدأت تنتشر ادعاءات عن وجود “استعمار إسرائيلي” داخل إيطاليا، ووصلت إلى مئات آلاف المستخدمين.
وساهم صانعو محتوى إيطاليون يمتلكون قاعدة جماهيرية واسعة في توسيع هذه المخاوف، ومن بينهم ماتيو غراتشيس، وهو مؤثر يتابعه نحو 290 ألف شخص على “تيك توك”، نشر مقطعًا شكك فيه بالدوافع الكامنة خلف التحول الديموغرافي في الوادي.
وقال غراتشيس: “في قلب هذا التحول يقف مشروع بايتا، وهي مبادرة جلبت بالفعل أكثر من 80 عائلة إسرائيلية إلى فالسيسيا، أي نحو 250 شخصًا، مع أكثر من 400 مسجل، وهم مصممون على بدء حياة جديدة والاستثمار في منطقة عانت حتى وقت قريب من إفراغ سكاني”.
وأضاف: “السرد الإعلامي السائد يركز على إنقاذ القرى وعلى هروب أشخاص سئموا توترات الحرب. وفي المقابل، ترحب الإدارة المحلية في فيرتشيلي بوصول هؤلاء الأشخاص وأموالهم، فيما تتجاهل الوزن الجيوسياسي لهذا الغرس الديموغرافي”.
وربط غراتشيس بين جهود إعادة الإسكان والفوارق الطبقية والعالمية، مقدمًا الهجرة من زاوية نقدية، وقال: “هذه الأرض الموعودة الجديدة في قلب فالسيسيا متاحة فقط لأصحاب جوازات السفر القوية والموارد المالية، فيما تسهّل الحكومات الغربية حق هؤلاء المواطنين في التنقل بحرية، وشراء منزل في جبال الألب، والحصول على ألياف ضوئية عالية السرعة للعمل عن بُعد”.
وتابع: “في المقابل، يعاني السكان المدنيون في غزة من الدمار والحصار المحكم، وهم محرومون من المياه والمستشفيات ومن أي إمكانية للخروج. ما يحدث في بيدمونت ليس حالة منفردة، بل يحدث أيضًا في بوليا وسردينيا ومناطق أخرى من إيطاليا”.
وأضاف مخاطبًا الإيطاليين: “انتبهوا، لأنه في ظل اللامبالاة العامة والصمت اللذين تغذيهما السياسة ووسائل الإعلام، يحدث أمر مقلق في إيطاليا، وأعتقد أنه يستحق اهتمامنا وتدخلنا ومقاومتنا قبل فوات الأوان”.
وفي حين ركز غراتشيس انتقاداته على الجوانب الجيوسياسية والفوارق العالمية، تجاوز الخطاب في أماكن أخرى على الإنترنت الحدود نحو عبارات مسيئة، وحتى معادية لليهود.
واستخدم صانع المحتوى فرانشيسكو شوتز، الذي يدير قناة يتابعها نحو 30 ألف شخص، سلسلة من المقاطع التي تتناول ما وصفه بـ”حقائق مثيرة للاهتمام” عن اليهود لنشر نظريات مؤامرة.
وادعى في أحد المقاطع بصورة مباشرة أن إسرائيل “تنشئ مستعمرة في إيطاليا”، محذرًا متابعيه بالقول: “هل تعلمون أن إسرائيل تنشئ عمليًا مستعمرة في إيطاليا؟ هذه منطقة بيدمونت، ومنذ عام 2023 فر نحو 250 إسرائيليًا من دولتهم بسبب الحرب وأقاموا ما يسمونه مشروعًا”.
وأضاف: “إنها في الواقع جماعة في بلدة صغيرة تُدعى فارالو، وأعتقد أنه من المهم جدًا أن يعرف الناس ما يحدث، لأنه أمر مقلق فعلًا. وأنا شبه متأكد من أن إيطاليا ليست الدولة الوحيدة التي تشهد ذلك، وربما توجد حالات مشابهة في جميع أنحاء أوروبا والعالم”.
وختم بالقول: “تابعوا للمزيد من الحقائق المثيرة للاهتمام عن اليهود، واستمروا في الانتباه”.
وتجاوز الفارق بين الخطاب المنتشر على الإنترنت والواقع الميداني خطًا أحمر في نهاية حزيران، عندما أُرسلت إلى مكاتب بلدية فارالو مغلّف يحتوي على رصاصة ورسالة تهديد.
ووقعت الرسالة مجموعة تطلق على نفسها اسم “الحركة المناهضة للصهيونية”، واستهدفت مباشرة الوجود الإسرائيلي في الوادي والمسؤولين عن المشروع، ومن بينهم لوتساتي.
وتعكس المضايقات في فالسيسيا مناخًا عامًا أكثر توترًا على المستوى الإيطالي، إذ تدخلت السلطات قبل أسبوع واحد فقط لإزالة نموذج إلكتروني مجهول الهوية أُنشئ عبر “غوغل فورمز”، وكان هدفه “رسم خريطة للسياحة الصهيونية” وتعقب الفنادق وشقق الإجازات والمصالح التجارية المرتبطة باليهود والإسرائيليين في مختلف أنحاء البلاد.
وقوبلت المبادرة بإدانة شديدة من مسؤولين حكوميين وممثلين معنيين بمكافحة معاداة السامية، وصفوها بأنها نسخة حديثة من “الشارة الصفراء”.
ووفق بيانات مركز توثيق اليهود المعاصرين، جرى تسجيل نحو 1000 حادثة معادية للسامية في أنحاء إيطاليا، وهو رقم يشير إلى ارتفاع في التعبيرات العدائية.
كما تأثر المناخ العام بالاحتجاجات الواسعة التي شهدها جنوب إيطاليا، ففي منطقة بوليا خرج مئات السكان إلى شوارع بلدة أوستوني للاحتجاج على مشروع لإنشاء منتجع فاخر في منطقة موغاله.
ويقف خلف المشروع صندوق الاستثمار الإسرائيلي “أومنام إنفستمنت غروب”، بالتعاون مع سلسلة فنادق “فور سيزونز”، التي يمتلك بيل غيتس حصة رئيسية فيها، وهو ما أثار معارضة محلية شديدة.
واحتج المتظاهرون على الأضرار البيئية وعلى المضاربة العقارية الأجنبية، جامعين بين الحجج البيئية والاحتجاج السياسي.
وفي المناطق الريفية الشمالية، حاولت مجموعات محلية الربط بين احتجاجات الجنوب ومشروع إعادة الإسكان في فالسيسيا.
وخلال جولة بين القرى المشاركة في “مشروع بايتا”، وزع ناشطون تحذيرات على السكان، وقالوا: “ما يجري تقديمه على أنه مشروع لإعادة إسكان وادي سيسيا ليس سوى محاولة لتعزيز اختراق اقتصادي وسياسي لأرضنا، بهدف إنشاء مستوطنة استعمارية حقيقية”.
وأضافوا: “هكذا بدأ الأمر أيضًا في فلسطين، إذ وصل الصهاينة ووعدوا بالمال والتنمية والسلام وفرص العمل. لقد رأينا جميعًا الواقع مع أنقاض غزة. نحن لا نريد أن نتحول إلى غزة”.
وبالنسبة إلى العائلات الإسرائيلية المقيمة في فالسيسيا، بات الفارق بين التوتر على الإنترنت والحياة الفعلية واضحًا ومثيرًا للقلق.
فبعد وصول هذه العائلات بحثًا عن الهدوء والهواء النظيف والأطر التعليمية، يتزايد الخوف من أن ينعكس الخطاب المنتشر عبر الشبكات الاجتماعية في نهاية المطاف على أمنها الشخصي.
من جهته، يواصل لوتساتي التشديد على الفارق بين الواقع الميداني والصورة التي تشكلت عبر الإنترنت، مشيرًا إلى مؤشرات على الاندماج والتعايش، من بينها تعلم معلمين محليين أساسيات اللغة العبرية للتواصل بشكل أفضل مع الطلاب الجدد، وترجمة كتاب تاريخي عن مدينة فارالو إلى العبرية بناءً على طلب السكان الجدد، إلى جانب إعادة ترميم مبانٍ حجرية قديمة ومنحها حياة جديدة.
وقال لوتساتي في خلاصة موقفه: “في الحياة اليومية، ينجح التعايش”.
ويبقى التحدي الأساسي أمام سكان فالسيسيا، القدامى والجدد، منع العواصف الآتية من الخارج ونظريات المؤامرة المنتشرة على الإنترنت من اختراق الهدوء والنسيج الاجتماعي الذي نشأ داخل الوادي.