أرقام وإحصائيات صادمة

تقرير: شتاء غزة يطرق أبواب الخيام المهترئة.. ومخاوف من تفاقم الكارثة الإنسانية

نشرت في 19 أكتوبر 2026 10:56 ص

أرقام وإحصائيات صادمة

حنين مرتجى - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/436749

"نعم تعرضنا للغرق كثيراً"، بهذه الكلمات تبدأ ضحى زياد حديثها عن خيمتها التي لم تعد تصلح للسكن.

ثلاث سنوات كاملة والمواطنة ضحى زياد تعيش حياة الخيام، متنقلة بين النزوح والبرد والخوف من المطر، حيث بدأت رحلتها منذ بداية الحرب، حين نزحت مع عائلتها إلى الجنوب وأقامت خيمتها الأولى في دير البلح، ثم تنقلت بها بين عدة مناطق، حتى عادت بعد وقف إطلاق النار إلى مدينة غزة، لتقيم خيمتها الحالية في منطقة الصفطاوي شمال قطاع غزة.

تقول ضحى، في حديثٍ خاص لوكالة "خبر": "في مواسم الشتاء الماضية كنا نغرق كثيراً، حتى إن الخيمة تسقط على الأرض وملابسنا تتبلل بالماء، والشوادر تسقط فوقنا، فننكشف أمام الناس ونشعر ببرد شديد".

وتضيف وهي تشير إلى خيمتها المهترئة: "خيمتنا تآكلت من الفئران والقوارض، ولم تعد تصلح أن نبقى فيها هذا الشتاء، وحاولنا إصلاحها ببطانيات وشوادر، لكنها لا تفي بالغرض، ولم نحصل حتى الآن على أي مساعدات شتوية".

البرد بالنسبة لضحى ليس مجرد شعور عابر، بل معاناة صحية مستمرة. "نشعر ببرودة قاسية جداً، تصيبنا لفحات هواء تمتد لأشهر، وتسبب لنا سعال قوي ومستمر لا يفارقنا"، تروي ضحى.

مخاوف من تكرار المعاناة

وعلى مقربة من خيمة ضحى، تعيش عائلة يارا صافي الظروف ذاتها، داخل خيمة ضيقة لا توفر حماية كافية من حرارة الصيف أو برد الشتاء، في مشهد يعكس جانباً من معاناة العائلات النازحة في القطاع.

تقول يارا: "إن الشتاء الماضي كان الأصعب على عائلتها: "عانينا من البرد الشديد والأمطار، تسربت مياه الأمطار إلى الخيمة، ابتل الفراش والملابس، وزادت معاناتنا ولم نجد ما نحتمي به".

وتضيف يارا أن الخوف الأكبر اليوم هو تكرار نفس المشهد مع اقتراب شتاء جديد: "أكثر ما نخاف منه هو البرد الشديد وغرق الخيام بمياه الأمطار، لا يوجد لدينا أغطية ولا ملابس شتوية كافية تحمي أطفالنا وأفراد أسرتنا".

وحاولت العائلة، كما تقول يارا، إصلاح واقعها المتهالك: "حاولنا الحصول على خيمة جديدة ومواد لإصلاح الخيمة الحالية، لكن الظروف الصعبة وقلة الإمكانيات تجعل من الصعب توفير كل ما نحتاج إليه".

"وتختصر يارا احتياجاتها بعبارات بسيطة تختصر حلم آلاف الأسر في غزة: "أكثر ما نحتاج إليه هو خيمة متينة ومقاومة للأمطار، وأغطية وفرش وملابس شتوية، بالإضافة إلى وسائل تدفئة آمنة ومستلزمات أساسية تحمينا من البرد".

وتختتم يارا حديثها بمناشدة إنسانية: "نناشد المؤسسات الإنسانية والجهات المعنية أن تنظر إلى معاناتنا بعين الرحمة، وأن تعمل على توفير المأوى المناسب والأغطية والملابس الشتوية واحتياجاتنا الأساسية قبل حلول الشتاء، حتى نتمكن من حماية أطفالنا وعائلاتنا من البرد والأمطار، ونعيش بكرامة وأمان".

وبين خيمة تتآكل وأخرى تتسرب إليها المياه، تتجدد مخاوف آلاف الأسر النازحة في قطاع غزة من شتاء جديد، في ظل نقص مستلزمات الإيواء ومحدودية الخيارات المتاحة أمام العائلات التي أنهكها النزوح.

استعدادات محدودة وإمكانات لا تكفي 

من جانبه، حذّر المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، من تفاقم معاناة المواطنين، ولا سيما النازحين الذين يعيشون في الخيام المهترئة، مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل نقص الخيام ومحدودية الإمكانات اللازمة للاستجابة للمخاطر الناجمة عن المنخفضات الجوية.

وقال بصل في حديث خاص بوكالة "خبر": "إنّ الجهود التي تبذلها طواقم الدفاع المدني فيما يخص التعامل مع قضية الخيام والاستعداد لفصل الشتاء هي "في غاية التعقيد وصعبة جداً"، ً وتقتصر حالياً على الجانب التوعوي فقط".

وأضاف: "نعمل الآن على إعطاء محاضرات لبعض مراكز الإيواء التي يمكن الوصول إليها، وإعطائهم بعض الإرشادات بكيفية التعامل مع المخاطر، سواء تطاير الخيام أو غرقها".

وتابع: "بكل أسف، كأمر عملي لا يوجد بأيدي طواقم الدفاع المدني ما تقدمه للمواطن، لا خيمة ولا أي دعم لوجستي نظراً للواقع المرير الذي يعيشه القطاع".

وشدد بصل، على أنّ أعداداً كبيرة من الخيام تغرق في كل مرة، خاصة في المناطق المنخفضة مثل حي الزيتون، مشيراً إلى أن الفرق العاملة لا تستطيع مساعدة السكان لإخراج المياه نظراً لعدم وجود مقدرات ولا مضخات.

وبشأن المناطق الأكثر عرضة للغرق، أشار بصل، إلى أنّ كل مخيمات الإيواء تتضرر في فترة المنخفضات، فمنها ما يتعرض للغرق ومنها ما يتعرض لتطاير الخيام وعدم قدرة المواطن على تثبيتها لأن الرياح أحياناً تكون شديدة.

وكشف بصل عن وجود أكثر من 2000 مبنى آيل للسقوط في قطاع غزة، مشيرًا إلى وجود لقاءات مع الشركاء، ومن بينهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والبلديات واللجنة المصرية، لبحث التعامل مع هذه المباني.

وأكمل: "إنّ التحركات الميدانية لا تزال محدودة، باستثناء أعمال إزالة تنفذها اللجنة المصرية لبعض المنازل الآيلة للسقوط، موضحًا أن هذا الملف يواجه تحديين رئيسيين، أولهما عدم توافر بدائل سكنية للأسر التي قد تضطر إلى مغادرة منازلها، وثانيهما الحاجة إلى معدات كبيرة ومتخصصة لا تتوافر بالقدر المطلوب.

وعن عدد الأسر التي تقطن الخيام، قال بصل: "إنّ 80% من سكان قطاع غزة يعيشون في الخيام وهناك أسر منذ 3 أعوام وهي تعيش بنفس الخيمة المهترئة"، مؤكّداً على أنّ المطلوب الآن هو إدخال نصف مليون خيمة لاستبدال التالف منها.

ووجّه بصل نصائح إلى المواطنين مع اقتراب فصل الشتاء، داعيًا أرباب الأسر إلى اتخاذ ما أمكن من إجراءات لحماية أبنائهم، وتجهيز الخيام ومحيطها، وإبعادها عن مسارات السيول ومناطق تجمع المياه، والاستعداد للبرد بتوفير الأغطية اللازمة للأطفال.

وأكد أنّ أبرز التحديات التي تواجه الدفاع المدني تتمثل في غياب القدرات اللازمة لإغاثة المواطنين، سواء من حيث المعدات والآليات أو المستلزمات اللوجستية، بما فيها الخيام والبدائل السكنية والشوادر والبيوت المتنقلة.

أرقام وإحصائيات صادمة

بدوره، حذّر مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة، من تفاقم الأزمة الإنسانية التي يعيشها النازحون في القطاع مع اقتراب فصل الشتاء، مشيراً إلى أن نحو 162 ألف خيمة أصبحت مهترئة وغير صالحة للسكن، من أصل 270 ألف خيمة، في ظل نقص حاد في مستلزمات الإيواء ومخاطر غرق مئات المخيمات خلال المنخفضات الجوية.

وقال الثوابتة، في حديث خاص بوكالة "خبر": "إنّ أكثر من 1.9 مليون نازح يعيشون في مئات المخيمات ومراكز الإيواء العشوائية"، مشيرًا إلى أنّ الخيام تضررت بفعل حرارة الصيف والاستخدام المتواصل لأشهر طويلة، ما أدى إلى تمزق أقمشتها وتهالك هياكلها، وأصبحت بحاجة إلى استبدال عاجل.

وأضاف أنّ "قطاع غزة يحتاج بصورة عاجلة إلى إدخال 250 ألف خيمة ونصف مليون شادر، لسد العجز القائم وتوفير مأوى بديل للخيام التالفة واستيعاب احتياجات النازحي".

ونوه الثوابتة، إلى أنّ أكثر من 500 مخيم وتجمع عشوائي للنازحين أُقيمت في مناطق منخفضة جغرافياً، تشمل الأودية ومجاري الصرف الصحي ومناطق تجمع مياه الأمطار، ما يعرّض مئات الآلاف من الخيام لخطر الغرق والفيضانات مع بدء المنخفضات الجوية.

وأكمل: "إنّ الوضع الإنساني في قطاع غزة لم يعد يوصف بالمأساوي فحسب بل نحن نعيش مرحلة الانهيار الشامل، في ظل تدمير المنظومة الخدماتية والمعيشية وافتقار النازحين إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الأساسية، بما يشمل المياه والغذاء والدواء والمأوى الآمن".

وتابع: "نؤكد بشكل قاطع أننا لسنا أمام كارثة بل نحن في قلب الكارثة، وإذا لم يتم التدخل الفوري قبل بدء المنخفضات الجوبة فإننا سنشهد حالات وفيات مباشرة بين الأطفال وكبار السن نتيجة البرد القارس والغرق وانتشار الأوبئة".

وبشأن مسؤولية تفاقم الأزمة بغزة، حمّل الثوابتة، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية المباشرة عن تفاقم أزمة النزوح، متهماً إياه بالتسبب في التهجير القسري وتدمير المنازل وإغلاق المعابر ومنع إدخال مستلزمات الإيواء والإغاثة.

كما اتهم الإدارة الأميركية ودولاً مشاركة في دعم "إسرائيل"، بينها ألمانيا وفرنسا، بتوفير غطاء سياسي وعسكري لاستمرار الحرب، فيما انتقد ما وصفه بتقاعس المجتمع الدولي والمنظمات الأممية عن اتخاذ خطوات عملية كافية للضغط من أجل فتح المعابر وتوفير الاحتياجات الإنسانية.

وحول خطة الطوارئ التي وضعتها الحكومة، أوضح الثوابتة، أنّ الطواقم الحكومية تعمل وفق خطة طوارئ تشمل تفعيل لجان الطوارئ المركزية والفرعية في المحافظات، وتجهيز فرق الدفاع المدني والبلديات للاستجابة السريعة، وفتح مجاري تصريف المياه وإقامة سواتر ترابية حول المخيمات المنخفضة.

وتابع: “إنّ الخطة تتضمن نقل النازحين من المناطق الأكثر عرضة للخطر إلى مناطق أكثر ارتفاعاً، رغم محدودية المساحات المتاحة، إلى جانب توزيع ما يتوفر من شوادر ومستلزمات الحماية”، لافتاً إلى أن الكميات المتاحة لا تلبي 1% من الاحتياج الفعلي.

وأشار إلى أنّ الاستهداف الذي طال المقار الحكومية وتدمير الاحتلال لأكثر من 80% من آليات ومعدات البلديات والدفاع المدني، وفق تقديراته، يحدّان من قدرة الطواقم على الاستجابة لمخاطر فصل الشتاء.

ولفت الثوابتة، إلى استمرار الاتصالات والمراسلات الرسمية وعقد اللقاءات مع المؤسسات الدولية والأممية والإغاثية، لتوفير الخيام والشوادر ومواد التدفئة، موضحاً أنّ الجهات الحكومية سلّمت تلك المؤسسات خطط الطوارئ وقوائم الاحتياجات اللازمة.

ونوّه إلى أنّ الاستجابة الدولية لا تزال "شبه معدومة"، في ظل ما تقوله المنظمات بشأن منع الاحتلال إدخال هذه المواد عبر المعابر، داعياً إلى ممارسة ضغوط فعلية لضمان وصول المساعدات إلى القطاع.

وحدد الثوابتة، أبرز الاحتياجات العاجلة قبل دخول فصل الشتاء بإدخال 250 ألف خيمة متكاملة ومقاومة للظروف الجوية، ونصف مليون شادر بلاستيكي، إلى جانب البطانيات والملابس الشتوية ومواد التدفئة.

كما دعا في ختام حديثه، إلى إدخال الوقود اللازم لتشغيل آليات البلديات والدفاع المدني ومضخات سحب المياه والصرف الصحي، وتوفير المعدات الثقيلة لفتح الطرق وإصلاح البنية التحتية المتضررة وتحسين تصريف مياه الأمطار، محذراً من تداعيات استمرار نقص مستلزمات الإيواء على حياة النازحين خلال الشتاء.