الكاتب: حسن خضر

ثلاثة أضلاع للمثلث الذهبي..!!

نشرت في 31 مارس 2026 12:49 م

الكاتب: حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/428520



 

تكلّم ترامب، قبل أيام، بطريقة مُهينة تماماً، وتعبيرات مبتذلة، عن حلفائه في الخليج. وهذه ليست المرّة الأولى، التي يعبّر فيها عن احتقاره لهؤلاء. لا فائدة، بطبيعة الحال، من الكلام عن شخص «قليل الأدب»، واستنباط دلالات أخلاقية وسياسية من هذيانه، والتذكير بحساسية اللحظة الراهنة.
 كل ما في الأمر أن ثمة ما ينبغي أن يُقال عن علاقة الأميركيين بالإبراهيميين، وفي تفاصيلها ما يتجاوز تبسيطات شائعة، منها ما يصدر حتى عن ترامب نفسه، من نوع أنهم لن يتمكنوا من البقاء أسبوعاً واحداً دون حماية أميركية، فالصحيح أن أميركا نفسها ستعاني من عواقب خطيرة، وبعيدة المدى، إذا قلب لها هؤلاء ظهر المجن. ولعل في أمر كهذا ما يستدعي التفكير والتدبير بدلاً من الردود الانفعالية، والكلام الفاضي.
فلنقل، بمعنى أكثر مباشرة، إن الإمبراطورية مدينة لهؤلاء بقدر كبير من ازدهارها، على مدار ما يزيد على نصف قرن من الزمان. ومرجع الأمر، دون الدخول في تفاصيل كثيرة، الدلالة الحاسمة للكف عن ربط عملة الدولار الأميركية بالذهب منذ أوائل السبعينيات (ما عُرف بصدمة نيكسون في حينها) وربطها بما عُرف بالدولار النفطي (البترو- دولار) بعد سنوات قليلة.
 مثّل الانتقال من مُعادل لقيمة الدولار إلى معادل آخر العمود الفقري لهيمنة الولايات المتحدة على النظام المالي والمصرفي في العالم، منذ أواسط السبعينيات، وزوّدها بأدوات الثواب والعقاب إلى حد مكّنها من التحكّم في أسواق النفط، والمعاملات المصرفية، وتجميد الأرصدة، وفرض أو رفع العقوبات لأسباب تخصها، ناهيك عن خفض أسعار الفائدة في السوق الأميركية نفسها، وتخفيف أعباء الدين العام على عاتق المواطنين الأميركيين. ولكل هذه الأشياء دلالات ونتائج سياسية واقتصادية هائلة في أميركا والعالم.
على أي حال، نشأ نظام ربط الدولار بالذهب قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بقليل، واستمر حتى أوائل السبعينيات. وقد تخلى عنه الأميركيون نتيجة التضخم، وديون الحرب، وانخفاض ما لديهم من احتياطي الذهب. وما ينبغي ألا يغيب عن البال أن «اختراع» الدولار النفطي نجم عن الاتفاق مع منتجي النفط في شبه الجزيرة العربية والخليج على بيع نفطهم في السوق العالمية بالدولار، واستثمار العوائد في السوق الأميركية. 
جعل الاتفاق المذكور من الدولار الأميركي عملة للاحتياط النقدي في العالم، وجعل منتجي النفط هؤلاء من كبار المستثمرين في سندات الخزانة الأميركية، وهذا لا يشمل الإنفاق في صفقات السلاح، والبضائع، والاستثمار في البنية التحتية والرياضة والخدمات والترفيه في الولايات المتحدة، أيضاً. بمعنى آخر، لا إمكانية للكلام عن، أو تحليل، اقتصاد الإمبراطورية وسوقها وسياستها، دون التوقف عند البترو-دولار، لأنه مكوِّن عضوي ورئيس من مكوِّناتها. 
ومع هذا في البال، يكتسب كلام الإيرانيين عن السماح لناقلات النفط بعبور مضيق هرمز مقابل الدفع بالعملة الصينية، اليوان، دلالات استراتيجية في القلب منها إسقاط الهيمنة الأميركية على النظام المصرفي العالمي، وهذا من شأنه تقليص نفوذ ومكانة الأميركيين في العالم إلى حد بعيد.
 بمعنى أكثر مباشرة، أيضاً، ودون الدخول في مضاربات حول النتيجة النهائية للمحاولة الإيرانية، في مجرد طرح العملة الصينية كبديل ما يُضفي دلالات أبعد على الحرب الدائرة الآن، وما يعني أن مستقبل الإمبراطورية نفسها في الميزان. 
أضفى نظام البترو – دولار أهمية استثنائية على علاقات منتجي النفط في شبه الجزيرة والخليج بالأميركيين منذ أواسط السبعينيات. وقد تعززت هذه العلاقة على نحو خاص بعد الثورة الإيرانية 1979 التي غيّرت البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط بطريقة راديكالية تماماً. 
وما يعنينا من هذا كله أنها أكسبت الدولارات النفطية أهمية إضافية في استراتيجية الأميركيين، فعلاوة على استثمارها في السوق الأميركية، أسهمت في بناء وتحصين حائط الصد العمراني، والديمغرافي، والعسكري، والسياسي، والأيديولوجي في شبه الجزيرة والخليج للحد من توسّع النظام الجديد في طهران، خاصة بعد الاستثمار، على مدار ثماني سنوات، في حرب صدّام المُكلفة والفاشلة.
 يفسّر كل ما تقدّم، وبقدر ما أرى، «لحظة الخليج» في العالم العربي، والشرق الأوسط، التي يقع الكلام عنها خارج نطاق هذه المعالجة. فكل ما نحتاجه منها، في سياق هذه المعالجة، أنها وسيلة إيضاح مفيدة، (على ضوء تداعيات وملابسات الحرب الحالية، معطوفة على مزاعم الحماية، التي سبق وتكلّم عنها ترامب بقدر واضح من الرعونة) لحسابات ورهانات لا تدعو إلى التفاؤل. 
ثمة الكثير من التفاصيل في ثنايا كل ما ذكرنا حتى الآن، وثمة الكثير من الزوايا المُعتمة التي تستدعي المزيد من البحث والاستقصاء. فمن سوء الحظ أن تدني كفاءة الكلام في الشأن العام، نتيجة انهيار التعليم وممارسة الرقابة وتكميم الأفواه، علاوة على تطوّر تكنولوجيا الكذب وصناعة الأوهام، أخرجت العلاقة العضوية بين الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا من سجالات الشأن العام، وحشرتها بطريقة مبتذلة (بعد فشل الرهان الداعشي، ونجاح الثورة المضادة) إما في سياسات للهوية، لا يندر أن تنحط إلى طائفية ومناطقية، أو في براغماتية السماسرة، وفرضية أن طنين الذباب الإلكتروني قد يكون بديلاً صالحاً للحقيقة. 
ومع هذا في البال، لا إمكانية لفهم رهانات وحسابات الحرب الحالية دون العودة إلى العلاقة التفاعلية بين أضلاع المثلث الذهبي: الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا، ما بان منها وما استتر. فاصل ونواصل.