نشرت في 27 مايو 2026 12:26 م
https://khbrpress.ps/post/430759
في الوقت الذي يصارع فيه بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية من أجل البقاء السياسي، تتدهور صورة إسرائيل في المجتمع الدولي إلى مستوى لم يعد ممكناً القبول به حتى من أقرب حلفاء إسرائيل وداعميها. وانهيار وضع الدولة الصهيونية في أذهان الرأي العام العالمي بدءاً بالظهور عارية من القيم والمبادئ المشتركة التي صدق العالم الغربي لفترة طويلة من الزمن أن إسرائيل تحملها وتحترمها كمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والالتزام بالقانون الدولي وغيره، وانتهاءً بصورة المجرم الذي يرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية حتى مستوى الإبادة الجماعية، يبدو أنه مرتبط كذلك بصراع نتنياهو على زعامته خلال الفترة القادمة.
الانتخابات الإسرائيلية تقترب وهي ستجري حسب القانون في السابع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) القادم، رغم أن البرلمان الإسرائيلي «الكنيست» قد أقر إجراء الانتخابات مبكراً أي قبل هذا التاريخ، ولكن بسبب تعارض مواقف أحزاب الائتلاف الحاكم، وبسبب تعقيدات وجود أعياد يهودية كثيرة خلال شهرَي أيلول وتشرين الأول، قد لا يتم الاتفاق على موعد محدد لتبكير الانتخابات، ما يعني أنها ستجري في موعدها المقرر حسب النظام. وهذا جيد لنتنياهو الذي يريد تأجيل محاكمته، وأيضاً البحث عن انتصارات تبرر إعادة انتخابه أو تمكّنه من القدرة على تشكيل الائتلاف الحكومي القادم. وأفضل وسيلة تساعده في إلهاء الجمهور وتشتيت الانتباه عن الإخفاق في السابع من أكتوبر، وأيضاً عدم تحقيق الانتصارات المزعومة التي «غيرت وجه الشرق الأوسط»، هو الدفع باتجاه حرب جديدة سواء مع إيران أو حتى على جبهة غزة ضد «حماس».
مشكلة نتنياهو هي الآن مع المجتمع الدولي الذي لم يعد يقبل ادعاءات إسرائيل بأنها تدافع عن نفسها وعن مصالحها. وهناك غضب دولي كبير، خاصة في الدول الأوروبية، من كون نتنياهو هو الذي ورّط الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حرب على إيران لا داعي لها ولا مبرر، وأضرت بالاقتصاد العالمي. ولم تعد هذه الدول تقبل أن تبادر إسرائيل إلى فتح حرب طالما هناك احتمال للتوصل لتسوية سلمية للوضع القائم في الخليج. وهناك وزن كبير يزداد ويرجح للدول العربية، خاصة في الخليج ومصر والأردن، التي تعارض الحرب وتضغط باتجاه الحل السياسي. حتى ترامب نفسه قيل إنه لم يعد يرد على اتصالات نتنياهو، وإن قيامه بالتريث في التوصل إلى تفاهمات مع إيران واتفاق مبادئ مرتبط أكثر في رغبته في الوصول إلى ما هو أفضل من اتفاق الرئيس باراك أوباما في عام 2015، حيث أجرت الصحافة الأميركية مقارنة بين اتفاق أوباما وبين مبادئ ترامب ولم تجد فرقاً، وعليه تم توجيه الانتقادات له.
إن ما قامت به إسرائيل في غزة وما تقوم به في الضفة الغربية من عمليات تهجير وتطهير عرقي واستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وأخيراً ما جرى خلال الاستيلاء على أسطول الصمود والاعتداء على المتضامنين السلميين بما في ذلك الضرب الجسدي العنيف والانتهاكات الجنسية التي سجلتها المتضامنات أمام كاميرات التلفزة ووسائل الإعلام المختلفة، وظهور الوزير العنصري بن غفير ومشاركته قواته في هذه الاعتداءات كلها مسحت أي صورة إيجابية عن إسرائيل، ووضعتها في إطار المحتل البشع والمجرم الذي لا يقيم وزناً لأي قانون أو عرف، ولا يحترم حقوقاً لإنسان طالما يختلف مع جرائم الاحتلال. فشكل إسرائيل الصهيونية اليوم لم يعد تلك الدولة التي تدعي أنها ليبرالية وعلمانية وديمقراطية وتدافع عن نفسها في وجه عدوان العرب و»بربريتهم» وأنها جزيرة محاطة بالأعداء الذين يريدون إلقاء اليهود في البحر.
العالم يصحو في كل يوم على همجية دولة الاحتلال وجرائمها التي طالت عشرات الآلاف من النساء والأطفال وكل مقومات الحياة الإنسانية من بنية تحتية مدنية وحتى البيئة والأشجار والحيوانات والطيور، وكل ماله علاقة بحياة البشر. وهذا لا تنفذه مجموعة صغيرة معزولة، بل هو سياسة الدولة الرسمية التي صرح بها قادتها بأنهم يريدون تدمير غزة وتهجير سكانها. ويستولون على الضفة ويقومون باقتلاع الأشجار وهدم المشاريع وتهجير المواطنين ومهاجمة القرى والبلدات والمدن، وقتل المواطنين وحرقهم في بيوتهم. ولم يعد باستطاعة أوروبا السكوت ورغم محاولة بعض الدول منع العقوبات على إسرائيل، إلا أن العجلة تسير باتجاه عقوبات على وزراء ومنظمات استيطانية، وهناك حراك جدي من أجل تعليق اتفاق الشراكة التجاري مع الدولة ومقاطعتها. فإسرائيل اليوم لم تعد تلك التي كان المجتمع الدولي يشتري أكاذيبها وادعاءاتها.
الدولة الفاشية التي يقودها الوزيران بن غفير وسموتريتش هي التي تشكل مظلة حماية لنتنياهو، وبقاؤه مرتبط بهذا النمط من السلوك. فرغم أن نتنياهو كان في السابق حريصاً على صورة إسرائيل لتكون مقبولة لدى الغرب إلا أنه يفكر الآن في الخلاص بأي ثمن. والمسألة لم تعد تتعلق بمجموعة عنصرية متطرفة، بل بتيار سائد يتبنى خطاباً عنصرياً همجياً دموياً لا يأبه بشيء سوى بنظرية إقصائية كهانية. فهل يسمح العالم لنتنياهو بالاستمرار في لعبة الحروب والتطرف خدمة لأيديولوجية عنصرية تساهم في بقائه السياسي وتدمر السلام والأمن، وتجلب الخراب بما في ذلك لإسرائيل نفسها