نشرت في 16 أكتوبر 2026 10:45 ص
https://khbrpress.ps/post/436610
للعام الثاني على التوالي، يعرب الرئيس الأميركي، المثير للجدل في كل ما يقول ويفعل أو يقرر، عن استيائه من النرويج ومن لجنة نوبل، وذلك لأنها منحت جائزتها السنوية الرفيعة للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، وذلك لا لسبب إلا لكونه يعتبر نفسه، وربما كان هو الوحيد على ظهر الكوكب، الذي يعتقد أنه يستحق جائزة نوبل للسلام، ويبدو أن دونالد ترامب، يفكر وفق موروثنا الشعبي، الذي يقول إن «جحا» وهو شخصية أسطورية أو خرافية، أطلق كذبة ما، ومن ثم صدقها، فهو يعرف أو أنه سمع أن جائزة نوبل للسلام تمنح لمن يقدم مساهمات واضحة تساعد على إحلال السلام في مناطق الحروب في هذا العالم، لذا ادعى أنه أطفأ أو أوقف ثماني حروب دفعة واحدة، ولأن جل المتابعين فوجئوا مما سبق له وقاله عدة مرات، فإن محاولة الوقوف عند حقيقة هذا الأمر، بينت أن ترامب يعتبر أن عقد اتفاق السلام برعاية القادة الآسيويين، بين كل من كمبوديا وتايلاند، والذي وضع حداً لنزاع حدودي، لم يكن يشكل خطراً كبيراً على السلام في شرق آسيا، إحدى تلك الحروب الثماني.
كذلك فهو يعتبر أن توقف التوترات الحدودية التي تشهد أحياناً اطلاقاً للنار بين كل من صربيا وكوسوفو، واحدة من تلك الحروب العالمية، وثالث تلك «الحروب العالمية» التي يعتبر ترامب أنه أوقفها هو ذلك النزاع المسلح المحدود بين رواندا والكونغو الديموقراطية، كذلك يعتبر ترامب أنه وضع حداً للتوتر الحدودي التاريخي بين الهند وباكستان، ويعتبر كذلك أنه وضع حداً للخلاف حول سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، كما أنه يعتبر نفسه أنه قد أوقف النزاع بين كل من أذربيجان وأرمينيا حول إقليم قره باغ.
التوقف عند هذه النماذج يثير الضحك بالطبع، فالرجل إما ساذج أو أنه يستغبي الآخرين، خاصة لجنة نوبل، فهذه الملفات لم تشهد حروباً طاحنة، خلال ولاية ترامب الحالية، التي بالكاد تقترب من نصفها، أي قضاء مدة عامين، فضلاً عن كونه هو شخصياً لا علاقة له بتلك الملفات لا من قريب ولا من بعيد، أي أن أحداً لم يسمع أنه تدخل بين الأطراف التي بينها توترات أو خلافات وحلها، إلا إذا كان يعتبر كل ما يحدث على وجه الكرة الأرضية خلال ولايته، يعود إليه، وحتى هذا يعني أن يحسب له ما هو حسن أو جيد، ويحسب عليه ما هو سيئ، أو خطر.
كذلك معظم ما يعده ترامب حروباً أوقفها أو قام بوضع حد لها، لا تعدو كونها توترات تاريخية ما زالت قائمة، أو خلافات حدودية قائمة منذ زمن طويل، والتوصل إلى اتفاقيات مؤقتة لا يعني التوصل لحل نهائي لها، كمثل ذلك الذي بين الهند وباكستان، وبالطبع تكفي الإشارة إلى نار سد النهضة الكامنة تحت الرماد بين إثيوبيا من جهة وكل من مصر والسودان من جهة ثانية، فأين هو الحل الذي توصل إليه ترامب بين الأطراف، التي وإن لم تقع الحرب بينها، لكنها قد تقع فيما بعد، وأنصع مثال على ادعاء ترامب المثير للضحك والتندر هو أنه يعتبر أنه أوقف الحرب بين إسرائيل وحماس، مع أن القتل الإسرائيلي للمواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة لم يتوقف، وكل مظاهر حرب الإبادة ما زالت ماثلة، بما في ذلك الحصار المطبق، وما يتضمنه من منع إدخال مواد الإغاثة اللازمة أو الكافية لأكثر من مليوني إنسان، بل ولا يخطر ببال ترامب أنه مشارك ومسؤول عن حرب الإبادة الإسرائيلية، لمدة عشرة أشهر بشكل متواصل، منذ أن دخل البيت الأبيض وواصل تزويد إسرائيل بسلاح القتل، بل إنه استقبل مجرم الحرب المدان دولياً ثماني مرات خلال أقل من عامين.
ثم يصل مسلسل «الفكاهة» الترامبي ذروته حين يعتبر أنه أوقف حرب الإثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران، وينسى أنه شارك في تلك الحرب مباشرة، ثم يتناسى أن الحرب لم تتوقف بعد، بل إنه فعل ما هو أسوأ، حين قام بشن حرب الأربعين يوماً، وما زال يرفض إعلان وقفها، أو التوصل لاتفاق ولو مؤقتاً لوقفها، بما في ذلك وثيقة التفاهم التي سرعان ما أعلن إلغاءها، قبل أن يجف حبر توقيعه عليها، وخلال حرب الأربعين يوماً ارتكب ترامب جرائم حرب في إيران، لا تقتصر على قتل المدنيين في المدرسة، أو أولئك الذين كانوا يشاركون في «عرس»، بل إن الحصار البحري دون مسوغ قانوني أممي، يعتبر جريمة حرب، وعليه يجب أن يحاكم ترامب على جرائم قتل هو معترف بها، ويتبجح بها، فهو يعترف أنه قام بقتل المرشد الإيراني، وبعض أفراد أسرته والعديد من القادة السياسيين والعسكريين، بغرض إسقاط النظام، كما أنه ارتكب جريمة بحق دولة فنزويلا حين قام بالسطو المسلح على دولة ذات سيادة، واعتقل رئيسها المنتخب وزوجته.
أي أن ترامب باختصار، هو آخر إنسان على وجه الكره الأرضية يمكنه أن ينال جائزة سلام دولية، وإذا كان من جائزة يستحقها فهي جائزة التنمر العالمية، بالنظر إلى ما قام به من تهديد لمعظم دول العالم، كذلك يمكن منحه جائزة تخريب الاقتصاد العالمي، بالنظر لما أحدثه بحربه على إيران، في الخليج العربي من فوضى في التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط منها، لكن هذا ما هو إلا مسار واحد من مسارات عديدة تتبدى فيها سياسة رئيس منتخب وشرعي وحقيقي للولايات المتحدة، بل رئيس انتخب مرتين، وكان بينهما فاصل، أي أنه كان هناك وقت لمؤسسات الدولة وللشعب الأميركي ليفكر طويلاً قبل أن يعيده إلى البيت الأبيض مجدداً، ذلك أن إعادة رئيس كان قد غادر البيت الأبيض، وارتكب جريمة التحريض على اقتحام «الكابيتول» مقر الكونغرس، عنوان ورمز ومقر الديموقراطية الأميركية، رافضاً نتائج التصويت عام 2020، يثير الاستغراب، ويضع علامات استفهام كبيرة حول ما يمكن وصفه بالدولة الأميركية العميقة، كذلك علامة السؤال تطال الناخبين الأميركيين، وإن بدرجة أقل، ذلك أن ترامب انتخب بسبب النظام الانتخابي، الذي تحسم نتيجة الاقتراع فيه أصوات أعضاء المجمع الانتخابي، وليس أغلبية جمهور الناخبين، فترامب خسر في التصويت الشعبي أمام هيلاري كلينتون عام 2016، حيث حصل على عدد أصوات أقل بـ 3 ملايين صوت، لكنه فاز بسبب النظام الانتخابي.
كذلك كان يجب أن يستند الناخب الأميركي إلى حصيلة ما حققه وفعله ترامب في ولايته الأولى، وليس استناداً إلى وعوده الانتخابية أو ادعاءاته المفارقة لحقائق الواقع، وعلى أي حال، فإن رئيساً يعتقد «من كل عقله» أنه يستحق نوبل، وهو الذي قام بالسطو على فنزويلا، وهو الذي شن الحرب على إيران، وهو الذي ما زال يمنع العدالة القضائية والسياسية معاً من الوصول إلى نتنياهو وتطبيق العدالة الدولية بحقه، بل رئيس ما زال يدعي أنه الأعظم من بين الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه كلهم، بالتأكيد لا يقوم هو بكتابة التاريخ، بل إن التاريخ لن يمنحه لقب الأعظم من بين الرؤساء الأميركيين، تماماً كما لم تمنحه اللجنة النرويجية جائزة نوبل للسلام، فقط لأنه يريدها، وهو الغارقة يداه بالدم في الشرق الأوسط، والمعبأة جيوبه بالنفط المسروق من فنزويلا.
ولم يسبق لترامب خلال ولايته الأولى أنه سجل إنجازاً لافتاً، بل على العكس، هو ألغى اتفاقية التجارة الحرة مع كندا والمكسيك، وانسحب من اتفاقية المناخ العالمية، ومن الاتفاق النووي مع إيران، وألغى العديد من اللوائح.
أما على الصعيد الآخر، المعاكس أو السلبي، فقد أقدم على فعل مشين امتنع من سبقه من الرؤساء منذ ثمانينيات القرن الماضي عن القيام به، ونقصد تنفيذ قرار الكونغرس الخاص بالاعتراف بالاحتلال المناقض للشرعية الدولية، الإسرائيلي على القدس العربية الشرقية المحتلة، وكذلك اعترف بقرار الضم الاحتلالي الاسرائيلي المناقض للقانون الدولي للجولان السوري المحتل منذ العام 1967، ثم أمضى معظم ولايته الأولى ساعياً وراء فرض صفقة القرن، بدلاً من السعي لإحلال السلام في الشرق الأوسط، من خلال متابعة اتفاق أوسلو الموقع بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، بشكل رسمي وبرعاية أميركية، حيث وقع الاتفاق في حديقة البيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون.
وبدلاً من ذلك ألقى بكل ما بين يديه من تأثير لأكبر وأقوى دولة في العالم لتوقيع اتفاقيات أبراهام، المعطلة للحل السياسي التاريخي في الشرق الأوسط، والتي لا نبالغ حين نعتبرها أحد العوامل التي هيأت الظروف لشن الحرب الإسرائيلية الأميركية حالياً على إيران، بهدف حرق الخليج العربي بدوله ونفطه، كما أقام ترامب الجدار الحدودي مع المكسيك، وزاد الإنفاق الدفاعي، وأنشأ قوة الفضاء الأميركية، كفرع عسكري جديد.