نشرت في 15 أكتوبر 2026 11:51 ص
https://khbrpress.ps/post/436579
مع اقتراب فصل الشتاء، تعود إلى أذهان مئات آلاف النازحين في قطاع غزة مشاهد الكوارث السنوية التي أضحت طقساً ثقيلاً لا يرحم؛ خيام تغرق بالمياه، ورياح تقتلع الشوادر المتهالكة، وأمواج بحر تلتهم ما تبقى من أغطية وقماش على الشواطئ، فالخيمة في غزة لا يتجاوز عمرها الافتراضي عاماً واحداً أو أقل، إذ تتضافر أشعة الشمس الحارقة صيفاً مع حرارة الجو لتقوم بإذابة وتلف طبقات البلاستيك والشوادر، لتصبح مع حلول الشتاء مجرد أقمشة ممزقة لا تقي حراً ولا تمنع مطراً.
ابتكار من رحم المعاناة: الهياكل الحديدية
أمام هذا الواقع المأساوي، وأملاً في تفادي سيناريو الغرق والتشريد المكرر، لجأ المواطنون إلى ابتكار طريقة جديدة ونوعية تمثلت في استبدال الأخشاب المتهالكة بأسياخ وهياكل حديدية متينة. وتعتمد هذه الطريقة على الاستعانة بالصنايعية والمستشارين الفنيين المهرة لتشكيل وتلحيم هيكل الخيمة الهندسي بدقة، مستخدمين أدوات قياس الاتزان (ميزان الماء) لضمان استقامتها، وتقويتها بقوائم متقاطعة لزيادة قدرتها على الصمود أمام الرياح العاتية والأمطار الغزيرة. بل إن الأمر امتد لإضافة لمسات معمارية كصناعة نوافذ خشبية وممرات داخلية توفر درجات أعلى من الأمان والتهوية والكرامة الإنسانية للأسرة النازحة.
مقصلة التجار وارتفاع التكلفة
لكن لم تكد هذه الحيلة الذكية تبصر النور، حتى اصطدم المواطنون بعقبة جديدة تمثلت في الاستغلال وغلاء الأسعار المتزايد مع اقتراب فصل الشتاء. فقد استغل بعض التجار الإقبال الكبير على شراء مستلزمات البناء الجديدة، ليرتفع سعر متر الحديد من 3.7 شيكل ليصل إلى نحو 7 شواكل للمتر الواحد بحسب جودته وسمكه.
ولم يقتصر الارتفاع على الحديد فحسب، بل طال أيضاً الشوادر (البلاستيكية)، حيث قفز سعر الشادر مقاس (4×6 أمتار) ليبلغ 250 شيكلاً للشادر الواحد. وبحساب بسيط، باتت الخيمة المقاومة للشتاء تكلف الأسر النازحة أكثر من 2000 شيكل، يضاف إليها أجرة العمالة والمهنيين اليومية، وهو مبلغ خيالي بالنسبة لعائلات فقدت مصادر دخلها وممتلكاتها جراء الظروف القاسية.
أم محمد (42 عاماً) – نازحة في منطقة المواصي، تقول: "في الشتاء الماضي، استيقظنا في منتصف الليل على صوت صراخ الأطفال والماء يغمر أغطيتنا بعدما تمزق شادر الخيمة القديم بفعل الرياح. هذا العام قررنا بناء خيمة من الحديد لعلها تحمينا، لكننا صُدمنا بالأسعار! اضطررنا لبيع ما تبقى لدينا من مصاغ ذهبي بسيط وتدبير الدين لنغطي تكلفة الحديد والشوادر التي تجاوزت 2500 شيكل. كل تطلعنا اليوم ليس امتلاك بيت، بل فقط خيمة متينة تمنع المياه عن أطفالنا وتقينا برد الشتاء القادم."
أبو خليل (50 عاماً) – رب أسرة مكونة من 7 أفراد: "الخيمة القديمة أصبحت عبارة عن رقاع متهالكة جراء شمس الصيف الحارقة، ولم تعد تصلح بتاتاً لأي معيشة. اتجهنا لخيار الخيام الحديدية كأمل أخير للصمود، لكن التجار لا يرحمون؛ سعر متر الحديد تضاعف والشوادر أصبحت بأسعار خيالية. التكلفة عالية جداً بجانب أجرة العامل، ونحن بلا عمل أو دخل منذ أشهر. نعيش بين فكي غلاء الأسعار وقسوة الظروف الجوية."
أما سارة (28 عاماً)، وهي أم لطفلين، تقول: "نسعى لانتزاع الحياة بكل ما أوتينا من قوة. أطفالي يخافون صوت الشتاء والرياح بسبب ما عاشوه العام الماضي. الخيمة الحديدية منحنا منظرها ومقوماتها جزءاً من الطمأنينة والأمان، ورغم التكلفة المرتفعة جداً والمشقة في توفير ثمنها، إلا أن رؤية هيكل ثابت يضمنا تجعلنا نشعر أننا نطوّع الظروف الصعبة لنصنع لأنفسنا مكاناً كريماً يسترنا."
على الجانب الآخر، التقت مراسلة وكالة خبر بمجموعة من الصنايعية والحرفيين الذين يقومون بتصميم تلك الخيام وتطويعها لتكون ملائمة لأجواء قاسية من البرد والمطر والرياح.
الحداد والصنايعي إبراهيم (أحد صناع الخيام الحديدية): "قبل هذه الأحداث كنت أعمل في الحدادة العامة وصيانة المنشآت، ومع حاجة الناس الماسة لمأوى قادم يحميهم من الشتاء، ابتكرت طريقة تشكيل هياكل الخيام من أسياخ الحديد. تعلمت وأتقنت ضبط المقاسات الهندسية واستخدام ميزان الماء والقوائم المتقاطعة لتتحمل الخيمة أعتى الرياح. ورغم نجاح الفكرة، إلا أننا نواجه صعوبات جمة؛ أبرزها انقطاع الكهرباء الذي يجبرنا على العمل بأساليب بدائية أو الاعتماد على مولدات مكلفة، فضلاً عن نقص المواد الخام وارتفاع أسعار الحديد والشوادر بشكل يجعل الناس يعجزون عن دفع أجورنا اليومية."
أما أبو سليم (متخصص في تركيب وتجهيز الخيام) فيقول: "تحولنا من صناعة الأسقف الخشبية إلى صناعة الهياكل الحديدية لأن الخشب يترطب ويتكسر ويتلف سريعاً بفعل الأمطار والرياح. نحن نعمل بجهد مضاعف تحت أشعة الشمس لضبط كل زاوية ونفصل نوافذ خشبية وممرات داخلية تمنح النازحين شعوراً بالبيت الصغير. الصعوبة الأكبر بالنسبة لنا هي الحرج الأخلاقي والمهني أمام المواطنين؛ فالناس تعاني وتشتكي من ارتفاع أسعار التكلفة الكلية للخيمة، ونحن نجد أنفسنا بين نارين: قلة توفر المواد وغلائها علينا، وبين رغبتنا في مساعدة الناس وإتمام عمل يحميهم من الغرق."
إصرار على الحياة: الجانب المشرق من العزيمة
رغم هذا الغلاء الفاحش والظروف القاسية داخل مخيمات اللجوء، يصر المواطنون في غزة على انتزاع حقهم في الحياة وتطويع الصعاب لخدمتهم. إن تحويل أسياخ الحديد الصماء إلى منازل صغيرة آمنة يعكس مدى التمسك بالأمل ورغبة الإنسان الغزي في حماية أطفاله بكل ما أوتي من قوة. هي صورة حيّة لمقولة محمود درويش "ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً"، حيث يقف العامل والمهني جنباً إلى جنب مع أرباب الأسرة للبحث عن حلول مستدامة تجعل من الخيمة صرحاً صامداً يمنحهم شعوراً بالأمان والكرامة وسط المأساة.
وكالة “خبر” اطلعت أيضاً على ما يتناوله رواد موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك عبر صفحاتهم في هذا الموضوع، وكانت كالتالي:
خيام #غزة .. أهالي القطاع يُعيدون بناء خيامهم مع قرب حلول فصل الشتاء https://t.co/fmfBeODWhC





