بقلم طلال أبو ركبة

عيد من بين الركام

نشرت في 21 مارس 2026 11:01 ص

بقلم طلال أبو ركبة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/428096

في غزة، يطل العيد مثل ضوء خجول على أطراف الدمار، يحمل في ثناياه عبق الحلويات القديمة ورائحة الخبز الطازج، لكنه يمرّ عبر أزقة مكسورة وجدران مثقوبة، حيث يبقى صدى القصف يلوّن الهواء بالغربة. ترى الأطفال يركضون بين الركام، عيونهم تلمع بفرح عابر، كأن كل ابتسامة هي محاولة لتحدي وجع لا ينتهي، وكل ضحكة صغيرة تُعيد صياغة الأمل وسط الركام.

هناك، بين أجنحة البيوت المهجورة، يجلس النازحون، عيونهم معلقة على مساحات ضائعة، يحاولون أن يجدوا مكانًا للحكايات القديمة في العيد، بينما يتشابك الحزن مع ضحكات الأطفال، فتظهر ملامح فرح غير مكتمل، فرح يختلط بالغصة. وفي الوقت ذاته، هناك من يبتسم وهو يعدّ الحسابات، من يستثمر وجع الناس في سوق معاناة لا تعرف الرحمة، يبيعون الألم على اختلاف أشكاله، بين من يبتكر قصص البؤس ومن يصنع أسواق الحزن، يبيعون العزاء والبسمة كما يُبيعون السلعة، يلوّنون الألم بالربح، ويضعون الصمت على طاولة المساومة.

ومع كل ذلك، يبقى قلب غزة نابضًا، يقفز في كل حركة عفوية للأطفال، وفي كل محاولة لإعداد حلوى العيد، في كل ابتسامة صغيرة ترتسم على وجه طفل لم يعرف الاستسلام بعد. العيد هنا ليس مجرد يوم، إنه حالة من المقاومة في الفرح، تحدٍ صامت للحزن، ومواجهة هادئة للمستغلين، الذين لا يفهمون أن هناك فرحًا لا يُباع ولا يُقاس بالمال، فرحًا يولد من صلابة الروح الفلسطينية، ومن قدرة الإنسان على ابتسامة واحدة وسط الركام.

في كل زاوية، وفي كل نافذة صغيرة، ترى التناقض نفسه: دمعة ترتشف بين حبات السكر، وابتسامة تتوارى خلف غصّة، ومع ذلك، يبقى العيد حاضرًا، حاضرًا في أعين من فقدوا كل شيء، وفي قلب من يعرفون أن المعاناة لا يمكنها أن تسلب القدرة على الفرح، ولو للحظة قصيرة، ولو للحظة واحدة… بين الركام، يولد العيد من جديد.