نشرت في 21 مارس 2026 10:49 ص
https://khbrpress.ps/post/428093
ينقبضُ قلبي وأنا أكتب هذه الكلمات… انتهت الحرب، لكنها تركت في غزة أمهاتًا منهكات، يحملن وجع فقد الأبناء ودمار البيوت، ويحاولن الاستمرار وسط خيمة ضيقة وصمتٍ غير موجود.
الخيمة لم تُسقط سقف البيت فقط، بل سلبت الأمهات شعورهن بالبيت والخصوصية. لا باب يُغلق، لا زاوية للاختباء، ولا لحظة هدوء، مجرد تعب يومي، وهن يفتقدن الأمان.
كانت الأمهات في غزة يومًا يعتنين بمنزلهن بكل تفاصيله، ويمررن أيامهن بين ترتيب البيت، وراحة الأطفال. اليوم، كل ذلك صار ذكرى، والخيمة هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يحويهن.
الحياة الآن صعبة على كل المستويات: الطوابير الطويلة للحصول على الماء، متابعة طرود الغذاء، انتظار القسائم الشرائية الظالمة في شكلها وفق احتياجات أسرهن،كلها مهام يومية تنهك الأمهات وتزيد شعورهن بالعجز، وتؤكد حجم الصبر الذي يتحلين به يوميًا.
تذكرت أختي، وهي أم لطفلين، كلماتها التي كتبتها خلال عيد الفطر كأنها خنجرا مسموما غرزته في روحي لأنها لامست حزني:"ما بالي كنت أرتب بيتي بالكامل بتفاصيله الجميلة ولا أتعب…"
واليوم، هي منهكة من كل تفاصيل الحياة بعد الحرب، تتعب حتى من أبسط دقائق تنظيف الخيمة، وتتألم على ما فقدت من بيت وحياة وأمان.
وبينما تتحدث، أشاهد التعب في عينيها، وكأن الخيمة كل يوم تُعيد لها صور فقدها، واشتياقها لممارسة أمومتها داخل بيتها الكبير الذي هدموه في الحرب على غزة.
وفي وسط الركام، دخلت مريم، ابنة أخي الصغيرة، وعيناها الواسعتان مليئتان بالفضول، وقالت:"كل عام وأنتِ بخير يا عمّتو!"
ابتسمت وسألتها: "وإنتِ بخير… لكن ما المناسبة؟"
نظرت إليّ وقالت بثقة: "اليوم يوم الأم!"
لم تكن تفكر بالهدايا أو الحلويات، بل كانت تحاول أن ترى العيد وسط الدمار، وسط دموع الأمهات اللواتي فقدن حياتهن السابقة.
وفي ذكرى مؤلمة أخرى، تتبادر إلى قلبي صورة زميلتي الصحفية مريم أبو دقة، التي استشهدت خلال الحرب وتركت خلفها ابنها غيث.
في يوم الأم هذا، يشعر غيث بغياب أمه أكثر من أي وقت، يناجيها بصوت خافت من بين الذكريات، يتذكر حضنها ودفء كلماتها التي لم يعد يسمعها. اليوم، هو طفل بلا أم، ويوم الأم يصبح بالنسبة له صرخة حنين وألم.
فرح الأطفال في هذا اليوم يختفي، ويحل محله الصمت والدموع على أمهات رحلن قبل أن يتمكنوا من أن يحتفلن بأطفالهن.
حتى الصحفيات الأمهات، اللواتي كان عملهن يوثق الحرب والدمار، لم يجدن الأمان في المنزل، خوف وقلق، حرمان من جو العائلة، شعور مستمر بأن كل لحظة هدوء قد تختفي في ثانية.
الأمهات في غزة لم يَعُدن يجدن الفرح في المناسبات، لم تعد الورود أو العطور هدية، بل صارت مجرد ذكريات تُدفن تحت الركام مع من كانوا يحتفلون بها.
اليوم… يوم الأم عندنا ليس فرحًا، بل ذكرى، خوف، وحنين لما كان.
حنين أمي لحياتها وطقوسها ولمة أحفادها في بيتها الجميل، حرموها منه، ورسموا الحزن كحلا في عينيها.
أي يوم أم يمر على أمي وكل الأمهات ؟
أسماء تهتز في القلب: الشهيدة هديل حسين وطفلتها، سماهر حسين وأولادها ، نور حسين التي تركت أولادها ورحلت ،مريم أبو دقة، أمهات وأطفال اخرين رحلوا ولم يعد لهم أثر.
الأمهات التي فقدن أولادهن ويعشن على مناجاتهن ، مثل ميرفت موسى التي لا يمر ساعة إلا وتناجي شهيدها ابنها البكر محمد ،الذي كان هدية يومها، ودموعها لم تجف، وريم عليان كيف سيمر عليها اليوم وهي بعيدة عن غزة جريحة تُعالج من إصابتها، وفقدت ابنها شهيدا، أي يوم أم سيمر عليها؟ وكثيرات مثلهن.
ولا ننسى الأمهات الأسيرات اللواتي يقبعن في سجون الاحتلال، أين يوم الأم منهن ؟
انتهت الحرب، لكن الأمهات ما زلن بائسات يجمعن ما تبقى من معنى، يقفن رغم الخسارة، يحملن الصبر بدلاً من الأمان، ويمنحن أطفالهن الحياة كلما استطعن.
الخيمة لم تكن مجرد مأوى لهن، بل هي صورة عن فقدان الأمان، و التفاصيل الصغيرة التي كانت تجعل الأمومة حقيقية، وعن حياة أصبحت قائمة على البؤس والشقاء.
كل عامٍ، وذكرى آخرِ يوم أم عشناهُ بسلامٍ وخير… نحتفظ بها في قلبنا، نستعيدها في الذكريات، علّها تمنحنا بعضًا من الدفء وسط هذا الخراب الطويل.