الكاتب: عبد المجيد سويلم

قضية للنقاش: ماذا لو نجح النموذج الإيراني؟

نشرت في 29 يناير 2026 02:04 م

الكاتب: عبد المجيد سويلم

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/426043


 


سآتي على مسألة النموذج الإيراني في نهاية المقال، أو بالأحرى ليس في الشق الأول من هذا المقال. وأظن أن القارئ سيدرك مغزى هذه الفكرة عندما نصل إلى هناك. سنبدأ، أو سنعود إلى سؤال الحرب: هل ستقع أم لا؟ وعن أي حرب نتحدث؟ وإلى أين يمكن أن تصل؟ وهل يمكن توقّع نتائجها على الأطراف المشاركة فيها، أو المساهمة على الأقل؟ وهل يمكن أن تحمل في طيّاتها فعلاً هذه المخاطر التي يتمّ التحذير منها، هنا وهناك، وفي الأوساط الرسمية الدولية والإقليمية؟ أم أن كل ذلك ما زال في طيّ المجهول، بل في عالم الغيب، وفي فم الأقدار؟
بصرف النظر عن كل الصخب الذي يدور حول هذه الحرب التي لم تقع حتى الآن، والتي يمكن أن تقع في أي وقت، أو التي لن تقع في المدى المرئي، فإن هناك جملة من الحقائق والوقائع التي ثبتت صحّتها.
إحدى أهمّ هذه الحقائق هي أن ميزان القوى المختلّ بصورة لا تقبل الجدل لصالح أميركا، دون المشاركة الإسرائيلية، ودون أي مساهمات أخرى، من هنا ومن هناك لم يسمح لأميركا، وشركائها الذهاب إلى قرار الحرب بسهولة أو بيُسر، بل وتحوّلت الحسابات الدقيقة لكل صغيرة وكبيرة إلى شروط لا غنى عنها لتفادي أخطر أشكال المغامرة.
كما ثبت، أيضاً، أن إيران من خلال مجموعة من الأوراق العسكرية، والأمنية الاستخبارية، والصناعية الحربية، والموقع الجيوسياسي، وسعة البلاد وامتدادها، والتحالفات التي تستند إليها تمتلك من مقوّمات القوة ما يحوّل الحرب عليها إلى كلفة، قد لا تكون أميركا وحلفاؤها وشركاؤها على استعداد لتحمّلها.
وثبت، أيضاً، أن العقوبات ضد إيران لم تحل دون قدرة الدولة الإيرانية على تمكين نفسها، والاستعداد لأي حرب قد تشنّ ضدها.
وفي نفس هذا الإطار والسياق، فقد ثبت، أيضاً، أن هذه العقوبات قد ألحقت أضراراً كبيرة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد، إلى الدرجة التي باتت هذه الأوضاع تحرّك احتجاجات عارمة من جهة، ومشروعة من جهة أخرى، لم يستطع النظام إنكارها، ولا حتى التنكّر لها.
ولكن الذي ثبت أكثر أن ركوب هذه الموجات، وتحويلها إلى مطيّة سياسية بدعم خارجي، فاضح ومفضوح قد أدى لعدة مرّات متتالية إلى إجهاضها، وإلى تسليح النظام بالوسائل الفعّالة لإنهائها.
وأخيراً، فقد ثبت أن النظام يتحدث بثقة عالية، ليست خطابية، ومختلفة عن «اللكنات» السابقة للمتابعين والمختصّين، ومن خبراء القراءات ما بين السطور.
في اليومين الأخيرين، بدأت تتكشّف معطيات جديدة ربما تؤشّر على وجهة هذا الصخب الذي يشهده الإقليم على وقع التوقعات التي تدور حول هذه الحرب ومآلاتها.
لكن هناك من الأمور ما يجب الحذر منها قبل الحديث عن هذه المؤشرات، وقبل الحديث عن أي قراءات.
لا يجوز بأي حال من الأحوال الركون إلى أي مؤشرات، من أي نوع كانت ــ ونحن هنا نحاول الاستقراء والتحليل ــ أن نستبعد، أو نستثني إمكانية اللجوء إلى أكثر أشكال المكر والخداع لتوفير عنصر المباغتة، سواء تعلّق الأمر بالأشكال العسكرية، أو الأمنية الاستخبارية، وذلك في ضوء تجارب سابقة، وفي ضوء دقّة الظرف والحسابات، وفي ضوء عمق الأزمة الأميركية الداخلية التي بات أقرب حلفاء أميركا يقرّون بها.
والآن، ما هي المؤشرات التي برزت في الأيام القليلة الماضية؟:
الأول، أن هناك ما يشبه الإجماع على أن هذا التحشيد برمّته ليس له أي أهمية «قتالية»، لأن وضع القطع البحرية الإستراتيجية في مرمى الطائرات المسيّرة الإيرانية، وهي مسيّرات متطوّرة جداً، ومن أكثرها تطوّراً على مستوى العالم كله أمر محيّر، ولا يمكن أن يكون تعريض هذه القطع، وكذلك القواعد نفسها، وبهذه السهولة، ويكون الهدف هو الذهاب إلى حرب مفتوحة قد تجرّ إليها  أميركا، ناهيكم عن مرمى الصواريخ.
هنا بدأ الحديث في الأيام الأخيرة عن أن هدف التحشيد ربما يكون لفرض شروط معينة «للتفاوض»، وليس للذهاب إلى ضربات عسكرية.
الثاني، هو أن المملكة العربية السعودية، وهي الدولة المركزية الأولى في الإقليم كله من زوايا كثيرة ومعروفة، لا تبدو في وضع الطوارئ، ولا حتى دول الخليج العربي الأخرى، بالرغم من أنها، أي العربية السعودية كانت أول من دخل على خطّ التحذير من مخاطر هذه الحرب!
الثالث، ويأتي على هيئة سؤال:
لماذا تأخّرت أميركا في «نجدة» المحتجّين؟ ولِم لم تتدخّل في ذروة تصاعد الاحتجاجات؟ هل كانت تنتظر استكمال الاستعدادات اللوجستية من إيلون ماسك؟ وإذا كان الأمر كذلك، وقد يكون فعلاً كذلك، فإن الاستنتاج المنطقي هنا هو أن الهدف منذ البداية لم يكن شنّ حرب على إيران، وإنما إسناد الاحتجاجات، وانتظار النتائج لجهة تخلخل النظام للتدخّل، والظهور بمظهر العامل الحاسم، أو انتظار النتائج، وعدم التسرّع، والتراجع عن شن الحرب إذا فشل الحراك، أو إذا استطاع النظام أن يُجهض الأمر كلّه.
وطبعاً، هناك مؤشرات أخرى كثيرة، ومنها الخوف من نشوب أزمة كبيرة في سلسلة تزويد بلدان العالم بالنفط والغاز، وخصوصاً أوروبا وأزمة أخرى في التجارة العالمية إذا ما تمّ إغلاق مضيق هرمز، والمنافذ البحرية الأخرى في المنطقة، ومخاوف من وجود سلاح نووي أو ما يعادله في إيران، ومخاوف من امتداد الحرب إلى أبعاد دولية خطرة.
الاستنتاج هنا هو أنه، وبعد الإعلان الإيراني بأن أيّ طلعة على إيران ستعتبر بمثابة حرب شاملة، بل إن إيران لن تتردّد في البدء بالحرب بصورة متزامنة مع نفس لحظة نشوبها، بل وحتى استباقها.. مع إعلان كهذا بدأت أوساط متزايدة ترجيح التوصّل إلى اتفاق ثنائي يقضي باعتماد الطرق السياسية والدبلوماسية بدلاً من الحرب.
إذا ــ ونضع عشرة خطوط تحت هذه الـ»إذا» ــ سارت الأمور بهذا الاتجاه، مع أن إمكانية التوصل إلى حلول حقيقية تبقى ضعيفة جداً بالنظر إلى التباعد الكبير بين الموقفين، الأميركي والإيراني فإن أول ما يجدر بنا أن نستنتجه هنا هو أن إيران باتت عصيّة على الإسقاط كنظام سياسي، وأن سقوط الدولة على الطريقة السورية أو العراقية أو الليبية ليس وارداً بأي حال، ولم يتبقَ سوى الضغط والعقوبات.
إذا وصلنا إلى هنا، نكون قد وصلنا إلى مسألة النموذج.
أين يوجد في عالم اليوم مثل هذا النموذج، الذي استطاع حفاظاً على حقه في اختيار طريق تطوّره أن يجابه كل ما جابهه حتى الآن، وأن يتعرض لكل ما تعرض له حتى الآن؟ وأن يظل صامداً، وأن يبني قدرات وصلت إلى حد خوف أكبر قوة في العالم، مدعومة ومدفوعة من أقوى دولة في الإقليم، وهي دولة الاحتلال، ومحاطة ببيئة معادية من الشحن المذهبي الملفوف بالتكفير؟ وأن تصل إلى مشارف الصناعة النووية، والقنبلة النووية، هذا إذا لم تكن قد وصلت؟ وأن تتفوق في بعض المجالات العسكرية، والتكنولوجية عالية الدقة والحساسية؟ وأن تتحوّل إلى همّ يقضّ مضاجع «الغرب» كله، بعد تعرضها لحرب مدمّرة في حزيران الماضي، وبعد أن فقد حلفاؤها الكثير من إمكانياتهم، وخصوصاً «حزب الله» اللبناني، وحتى اليمن والعراق؟
صحيح أن النموذج الكوبي ما زال صامداً، وصحيح أن النموذج الفنزويلي ما زال قائماً بالرغم من كل ما تعرّض له من خطف مافيوي للرئيس مادورو وزوجته، لكن النموذج الإيراني يبدو أنه سيتحوّل إلى نموذج مُلهم على مستوى إقليمي وعالمي كبير.
وصحيح، أيضاً، أن النموذج الإيراني على كثير من المستويات ما زال بعيداً عن أن يكون مثالاً يُحتذى في مفاهيمه الفكرية الخاصة، وفي طريقة بناء النظام السياسي، وفي بعض المسائل الحسّاسة مثل المسألة القومية، وفي كل حقول الحرّيات العامة والخاصة، لكن الإنصاف يقتضي أن نرى هذه المسائل على جانبيّ المعادلات المقابلة والمقارنة.
والإنصاف هنا هو أن مسائل الحرّيات العامة والخاصة لم تعد بالأهمية التي كانت عليها طالما أن النظام الرأسمالي النيوليبرالي هو نفسه بدأ مساراً متصاعداً للتخلّي عنها، وطالما أنه، وعلى رؤوس الأشهاد يقمع كل من يُناصر فلسطين عند وجود أي مدخل «قانوني»، وطالما أن أميركا نفسها تتصدّر هذا المسار بالذات في التعامل مع المهاجرين، ومع الجامعات، ومع كل من يعارض بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية»، ورئيس أميركا دونالد ترامب، ولكل من يحاول مجرّد التعبير عن مواقفه الإنسانية، ناهيكم عن السياسية.
لقد حوّلت النيوليبرالية القيم الديمقراطية إلى مجرّد إجراءات في الشكل الديمقراطي، وحوّلت مشاعر الإنسان إلى تهمة يُحاسب عليها القانون. وحتى المسألة القومية فإن عنصرية «الغرب»، وعنصرية النظام في دولة الاحتلال، وعنصرية ترامب تفوّقت على معظم أشكال العنصرية التي عرفناها، فأين هي خطورة المسألة القومية، من حالات العنصرية الغربية؟
من كل هذه الزوايا فإن النموذج الإيراني إذا تمكن من الصمود، وإذا تجاوز الهجمة الأمروصهيونية «الغربية» عليه، فإنه سيتحوّل موضوعياً إلى نموذج يشجّع دولاً وشعوباً على الاستفادة من تجربته الفريدة، وهنا أرى أن المسألة تستحق النقاش.