معاريف: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يربك حسابات الحكومة الإسرائيلية المقبلة

نشرت في 07 نوفمبر 2026 06:44 م

ترجمة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/437634

تواجه الأحزاب الحريدية تعقيدات متزايدة في مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، في ظل احتمال نجاح زعيم حزب "يشار" غادي آيزنكوت في تشكيل ائتلاف مستقر دون أن تكون هذه الأحزاب صاحبة التأثير الحاسم في استمراره، وفق تحليل نشرته صحيفة "معاريف".

ولا تنحصر التحديات التي تنتظر الحكومة المقبلة في الحسابات البرلمانية وتركيبة الائتلاف، بل تمتد إلى متغيرات إقليمية ودولية أكثر تعقيداً، في مقدمتها نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وما كشفته من تراجع في الدعم السياسي لإسرائيل داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلى جانب تداعيات الحرب على إيران واحتمالات نشوء خلاف بين واشنطن وتل أبيب بشأن توقيت إنهائها وشروط التسوية.

تراجع المظلة السياسية الأمريكية

بدأت مؤشرات التحول في الموقف الأمريكي من إسرائيل بالظهور قبل اتضاح نتائج الانتخابات، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صباح الثلاثاء، عزمه وقف المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، والبالغة 3.8 مليار دولار سنوياً، مع نهاية عام 2026.

وجاء الإعلان قبل ساعات من خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس، في خطوة تعكس تغيراً في طبيعة الخطاب السياسي الأمريكي تجاه المساعدات، التي ظلت لعقود تحظى بتأييد واسع من الحزبين، وشكلت أحد أبرز أوجه التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

وبرر ترامب توجهه بأن إسرائيل أصبحت دولة مزدهرة وقادرة على شراء الأسلحة من مواردها الخاصة، مدعياً أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو من اقترح إنهاء المساعدات.

غير أن الإعلان أثار تساؤلات بشأن آلية تنفيذه، إذ إن اتفاق المساعدات الحالي يمتد حتى أيلول/سبتمبر 2028، بينما كانت النقاشات السابقة في القدس المحتلة تتناول تقليص الدعم تدريجياً وعلى مدى فترة أطول. ولم يقدم ترامب توضيحات بشأن كيفية تقديم موعد إنهاء الاتفاق بنحو عامين، لكن توقيت تصريحه أظهر ارتباطه بالحسابات الانتخابية الأمريكية.

واستحضر ترامب في حديثه عبد السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، الذي جعل انتقاد إسرائيل والمساعدات الأمريكية المقدمة لها محوراً في حملته، متسائلاً عن سبب اضطرار الجمهوريين إلى تحمل تبعات سياسية بسبب إنفاق أموال قال إن إسرائيل لم تعد بحاجة إليها.

وبذلك، لم تعد المساعدات العسكرية مجرد ملف في العلاقات الثنائية، بل تحولت إلى عبء انتخابي يحاول ترامب إبعاد مرشحي حزبه عن تداعياته. ورغم أن نتنياهو قدم الرئيس الأمريكي على مدى سنوات باعتباره الحليف الأبرز لإسرائيل، فإن نتائج الانتخابات أظهرت محدودية الرهان على هذه العلاقة وحدها؛ فقد حقق عبد السيد فوزاً انتخابياً، وانتقل الكونغرس إلى سيطرة الديمقراطيين، فيما بقي إعلان ترامب بشأن المساعدات مؤشراً إضافياً على التحول الجاري.

وعلى مدى سنوات، اعتادت إسرائيل تقييم مستوى علاقاتها بواشنطن من خلال طبيعة التواصل بين رئيس الحكومة والرئيس الأمريكي، والصور المشتركة في البيت الأبيض، ونبرة البيانات الرسمية. وقد نجح نتنياهو في توظيف علاقته الشخصية بترامب لتحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية، إلا أن هذا التقارب تزامن مع تغير تدريجي في مواقف المؤسسات السياسية الأمريكية والرأي العام تجاه إسرائيل.

فالتراجع الذي بدأ داخل أوساط الحزب الديمقراطي امتد إلى شرائح من المعسكر الجمهوري، متأثراً بصور الحرب في قطاع غزة، والتطورات في الضفة الغربية، واستمرار المواجهة العسكرية مع إيران.

وتشير هذه التحولات إلى أن العلاقة الشخصية بين نتنياهو وترامب لم تعد كافية لاحتواء التغيرات داخل الولايات المتحدة؛ فالرئيس يستطيع دعم توجهات الحكومة الإسرائيلية، لكنه لا يستطيع فرض مواقف على أعضاء الكونغرس أو تغيير قناعات الناخبين. كما أن ربط العلاقة بين البلدين بشخص الرئيس وحزبه يجعلها أكثر عرضة للتأثر عندما تتغير موازين القوى السياسية في واشنطن.

ومن المقرر أن يتولى الديمقراطيون، اعتباراً من كانون الثاني/يناير، رئاسة لجان الكونغرس وتحديد أولويات جدول الأعمال التشريعي، فضلاً عن امتلاكهم صلاحيات استدعاء مسؤولين كبار لجلسات الاستماع، وطلب الوثائق، ومراجعة صفقات الأسلحة.

وسيمنحهم ذلك أدوات إضافية لممارسة الضغط على الإدارة والحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك الدفع نحو فرض شروط على الموازنات والقرارات المتعلقة بالمساعدات، وإن كانت قدرتهم على تحويل هذه المبادرات إلى تشريعات ملزمة ستظل مرتبطة بمواقف مجلس الشيوخ وإمكانية استخدام ترامب حق النقض.

ولا يقتصر التحول على التيار التقدمي أو الشخصيات المعروفة بانتقادها لإسرائيل، مثل السيناتور بيرني ساندرز، بل بات يظهر داخل التيار الديمقراطي الأوسع. ويبرز فوز عبد السيد مثالاً على اتساع القاعدة الانتخابية التي يمكن أن تحقق مكاسب من تبني مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية.

وتكشف مواقف أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين خلال الفترة الماضية عن هذا التغير؛ ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أيد 18 عضواً منهم مبادرات تهدف إلى منع صفقات أسلحة مع إسرائيل، قبل أن يرتفع العدد في نيسان/أبريل من العام الحالي إلى 40 من أصل 47 عضواً، أيدوا الدفع بمبادرة ضد بيع جرافات لإسرائيل، فيما دعم 36 عضواً مبادرة مماثلة بشأن بيع قنابل تزن ألف رطل.

وفي أيلول/سبتمبر، أيد 46 عضواً من أصل 47 في مجلس الشيوخ الديمقراطي مطلباً بالحصول على معلومات بشأن مقتل مواطنين أمريكيين على أيدي مستوطنين أو قوات أمن إسرائيلية في الضفة الغربية.

ورغم استمرار تأييد غالبية أعضاء الكونغرس للمساعدات العسكرية لإسرائيل، فإن هذا الدعم لم يعد بالضرورة تفويضاً مفتوحاً لسياساتها، إذ بات بعض المشرعين يربطون استمرار التعاون الأمني بمطالب وإجراءات محددة.

وتشير هذه المواقف إلى تغير في طبيعة العلاقة؛ فالمشرع الذي كان يؤيد التحالف الأمني مع إسرائيل لم يعد بالضرورة يتبنى سياساتها أو يرفض اتخاذ إجراءات ضدها. كما لم يعد تأييد المساعدات يتعارض، لدى بعض الأعضاء، مع دعم مبادرات لفرض قيود أو عقوبات.

وفي هذا السياق، تبرز مبادرات تشريعية تستهدف الحد من التوسع الاستيطاني، من خلال فرض قيود على الجهات المشاركة في البناء داخل المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وصولاً إلى المطالبة بمنع استيراد المنتجات الصادرة عنها إلى الولايات المتحدة.

ورغم أن تحويل هذه المبادرات إلى قوانين نافذة لا يزال يواجه عقبات، بينها حق النقض الرئاسي ومتطلبات تمرير التشريعات في مجلس الشيوخ، فإن مجرد طرحها يفتح الباب أمام تداعيات أوسع على العلاقات الاقتصادية والمالية مع إسرائيل.

فإجراء تحقيقات بشأن استخدام الأسلحة الأمريكية، أو إعادة بحث شروط المساعدات، أو المطالبة بمراجعة التعامل مع جهات إسرائيلية، قد يدفع المؤسسات الحكومية وشركات تصنيع الأسلحة والبنوك والمستثمرين إلى إعادة تقييم علاقاتهم بإسرائيل.

ولا تحتاج المؤسسات المالية بالضرورة إلى انتظار فرض عقوبات رسمية حتى تغير سلوكها؛ إذ قد يدفعها احتمال التعرض لمخاطر قانونية أو تنظيمية إلى تجنب معاملات وصفقات لا تزال مسموحة قانوناً.

وتزداد حساسية هذا الاحتمال إذا قررت واشنطن توسيع العقوبات لتشمل جهات إضافية في الضفة الغربية، بينما تطالب الحكومة الإسرائيلية البنوك بمواصلة تقديم الخدمات لها. فالمؤسسات المصرفية الإسرائيلية التي تنشط أيضاً في الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين الالتزام بتعليمات الحكومة في القدس والحفاظ على قدرتها على الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.

وقد تتجه بعض البنوك، خشية الوقوع في مشكلات قانونية، إلى تقييد تعاملاتها مع جهات أو أفراد لا تشملهم العقوبات بصورة مباشرة، وهو ما قد يوسع دائرة التأثير لتطال قطاعات اقتصادية وشركات لا تستهدفها الإجراءات أصلاً.

وبذلك، يمكن أن يتجاوز الخلاف السياسي بشأن الاستيطان حدود العلاقات الدبلوماسية، ليمتد إلى النشاط الاقتصادي والمالي الإسرائيلي. ورغم أن هذا السيناريو لم يتحقق بعد، فإن على أي حكومة مقبلة الاستعداد لاحتمالاته قبل أن تتحول التحذيرات القانونية إلى قيود مصرفية فعلية.

الحرب على إيران.. عبء انتخابي وقرار مصيري

إلى جانب المساعدات والتشريعات والعقوبات، تبرز الحرب على إيران باعتبارها الملف الأكثر إلحاحاً في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، خصوصاً أن تداعياتها الاقتصادية والسياسية باتت حاضرة في حسابات الإدارة الأمريكية.

فقد دخلت المواجهة شهرها التاسع، وأدى ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة إلى تحويل العملية العسكرية، التي قدمت في بدايتها باعتبارها تحركاً سريعاً، إلى عبء يومي يلمسه ملايين الأمريكيين.

واستثمر المرشحون الديمقراطيون هذا الملف في حملاتهم، فيما حاول جمهوريون في الدوائر الانتخابية المتنافسة الابتعاد عن الحرب وتداعياتها. ورغم أن المواجهة مع إيران لم تكن السبب الوحيد وراء خسارة الجمهوريين، فإن كلفتها الاقتصادية جعلت منها قضية انتخابية يصعب تجاهلها.

وأقر ترامب، عقب الانتخابات، بأن الحرب على إيران كانت من العوامل التي أسهمت في الهزيمة، لكنه أكد في الوقت نفسه عدم ندمه على قرار خوضها، مشيراً إلى أنه كان سيتخذ القرار ذاته مجدداً.

وعندما سئل عن الخطوات المقبلة، تحدث عن ضرورة القيام بـ"شيء كبير" في إيران. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإدارة حسمت قرار تنفيذ هجوم جديد، لكنه لا يتضمن أيضاً تعهداً بوقف العمليات العسكرية أو ضبط النفس بعد الخسارة الانتخابية.

وتبقى أمام ترامب خيارات متعددة؛ فقد يسعى إلى اتفاق يتيح له إعلان تحقيق أهداف الحرب، أو يأمر بعملية عسكرية إضافية بهدف تحسين موقعه التفاوضي وفرض شروط أفضل على طهران.

وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستجبر الرئيس على إنهاء الحرب سريعاً لا يأخذ في الحسبان سوابق سياسية مماثلة. ففي عام 2006، فاز الديمقراطيون بانتخابات منتصف الولاية، لكن الرئيس الأسبق جورج بوش رد في مطلع عام 2007 بزيادة القوات الأمريكية في العراق.

وبالتالي، فإن تراجع موقع ترامب السياسي لا يعني فقدانه القدرة على اتخاذ قرارات عسكرية واسعة، بل قد يدفعه إلى البحث عن إنجاز يعيد ترميم صورته السياسية، سواء عبر اتفاق أو من خلال تصعيد عسكري جديد.

وتكتسب الفترة الفاصلة بين الانتخابات وتسلم الكونغرس الجديد مهامه أهمية خاصة، إذ قد تدفع الضغوط الاقتصادية والسياسية ترامب إلى تسريع البحث عن تسوية تنهي الحرب أو تقلص كلفتها.

وفي هذا الإطار، تبرز مصالح دول الخليج التي تضررت من اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز وانعكاساته على اقتصادات المنطقة، ما يجعل إنهاء المواجهة مصلحة تتجاوز الخلاف الأمريكي الإيراني.

وقد يجد ترامب في إعادة انتظام الملاحة بالمضيق، وخفض أسعار الطاقة، والتوصل إلى تفاهم يقيّد البرنامج النووي الإيراني، فرصة لإعلان تحقيق إنجاز أمام الناخبين الأمريكيين، حتى لو بقي النظام الإيراني محتفظاً بجزء من قدراته العسكرية.

غير أن ما قد تراه واشنطن نتيجة مقبولة لإنهاء الحرب ليس بالضرورة كذلك بالنسبة إلى إسرائيل. فالتنسيق العسكري بين ترامب ونتنياهو لا يضمن توافقهما على شروط إنهاء المواجهة أو حجم المكاسب التي ينبغي تحقيقها قبل وقف العمليات.

وبالنسبة إلى نتنياهو، قد لا يكون الاتفاق الذي يقيّد البرنامج النووي الإيراني ويعيد حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها كافياً، إذا بقيت قدرات الصواريخ الإيرانية ومخزونات المواد النووية والتهديد الذي يمثله النظام في طهران دون تغيير جوهري.

وهنا قد تدخل العلاقة بين الرجلين اختباراً صعباً، عندما يصبح عليهما تحديد ما يمكن اعتباره إنجازاً يبرر إعلان انتهاء الحرب. وستواجه الحكومة الإسرائيلية المقبلة سؤالاً أساسياً: هل تقبل باتفاق أمريكي لا يحقق جميع أهدافها، أم تتمسك بمواصلة العمليات العسكرية حتى بعد أن يقرر ترامب أن الوقت قد حان لوقفها؟

وقد يؤدي الخيار الثاني إلى خلاف مباشر مع الإدارة الأمريكية، رغم التنسيق الوثيق الذي طبع إدارة الحرب حتى الآن.

وثمة احتمال آخر يتمثل في أن يسعى ترامب، بعد تحمله كلفة سياسية واقتصادية مرتفعة بسبب الحرب، إلى النأي بنفسه عن نتنياهو وتحميله جانباً من مسؤولية استمرار المواجهة.

ولا توجد مؤشرات مؤكدة على أن الرئيس الأمريكي يتجه إلى هذا المسار، لكن إذا خلص إلى أن استمرار الحرب يهدد مستقبله السياسي، بينما يصر نتنياهو على تحقيق أهداف عسكرية إضافية، فقد يقدم التوصل إلى تسوية باعتباره دفاعاً عن المصالح الأمريكية، ويصور الموقف الإسرائيلي على أنه محاولة لإطالة أمد الحرب.

وسيكون ذلك تطوراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى نتنياهو، الذي جعل علاقته بترامب ركيزة أساسية لضمان حرية التحرك الإسرائيلي. وقد يجد نفسه أمام مفاضلة بين التمسك بأهدافه الأمنية والحفاظ على دعم الرئيس الأمريكي.

وفي المقابل، تتابع إيران نتائج الانتخابات الأمريكية وتداعياتها على حسابات واشنطن. فقد وصف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف النتائج بأنها رفض للحرب، في إشارة إلى إمكانية توظيف التحول السياسي الأمريكي في تعزيز الموقف التفاوضي لطهران.

وقد تحاول القيادة الإيرانية تقدير مدى استعداد ترامب لمواصلة المواجهة، وما إذا كانت حاجته إلى اتفاق تفوق حاجة إيران إليه. وإذا خلصت إلى أن الإدارة الأمريكية تبحث عن مخرج سريع، فقد تتشدد في المفاوضات أو تلجأ إلى إطالة أمدها.

لكن هذا الرهان ينطوي على مخاطر بالنسبة إلى طهران أيضاً، إذ إن الضغوط السياسية التي يتعرض لها ترامب قد تدفعه، بدلاً من التراجع، إلى تنفيذ عملية عسكرية إضافية سعياً إلى تحقيق مكسب سريع.

حسابات الائتلاف الإسرائيلي وقانون التجنيد

في ظل هذه المتغيرات، ستجد الحكومة الإسرائيلية المقبلة نفسها أمام ملفات خارجية وأمنية معقدة، بينما لا يزال المشهد السياسي الداخلي منشغلاً بمفاوضات تشكيل الائتلاف وتحديد الأطراف القادرة على تأمين أغلبية برلمانية.

ووفق توزيع المقاعد الوارد في التحليل، يمتلك معسكر التغيير بقيادة آيزنكوت 48 مقعداً، فيما يبلغ مجموع مقاعد القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة 19 مقعداً، مقابل 53 مقعداً للأحزاب التي كانت تنتمي إلى معسكر نتنياهو، من بينها سبعة مقاعد لحزب "يهدوت هتوراه"، الذي لم يحسم موقفه النهائي من دعم الحكومة المقبلة.

ولم تؤد التحولات السياسية في الولايات المتحدة حتى الآن إلى تغيير هذه الحسابات. فما زال أفيغدور ليبرمان يرفض تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية، كما لم يبد نفتالي بينت استعداداً واضحاً لتبني هذا الخيار.

في المقابل، يدفع يائير غولان نحو التعاون مع ممثلي الأحزاب العربية، بينما يدرس آيزنكوت إمكانية إشراك الأحزاب الحريدية في حكومته، وهو خيار يصطدم بخلافات عميقة بشأن قانون التجنيد الإلزامي.

وتكمن أهمية هذه الخلافات في أن الحكومة المقبلة لن تكون مطالبة بمجرد تأمين أغلبية لتشكيلها، بل ستحتاج إلى ائتلاف قادر على اتخاذ قرارات استراتيجية بشأن الحرب على إيران والعلاقات مع إدارة ترامب والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وإذا تباينت مواقف الشركاء بشأن هذه القضايا، فقد تجد الحكومة نفسها عاجزة عن بلورة موقف موحد، في وقت تتطلب فيه التطورات الإقليمية تنسيقاً سريعاً مع واشنطن واتخاذ قرارات ذات تبعات أمنية وسياسية كبيرة.

ويضع حزب "يهدوت هتوراه" تنظيم إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية في صدارة شروطه الائتلافية، كما طُرحت على نتنياهو مطالبة بتمرير قانون التجنيد في القراءات الثلاث قبل الدخول في المفاوضات، إذا وصل الحزب إلى هذه المرحلة.

لكن الموقف الحريدي ليس موحداً، إذ توجد تباينات بين مكوني الحزب، "ديغل هتوراه" و"أغودات يسرائيل"، بشأن طبيعة الشروط والتسوية الممكنة.

وتواجه الأحزاب الحريدية، في ضوء ذلك، معضلة تتعلق بمدى قدرتها على استخدام تهديد الانسحاب من الحكومة أداةً للضغط. فإذا انضمت إلى الائتلاف قبل إقرار قانون التجنيد، ثم تعثرت لاحقاً محاولات تمريره، فقد لا يكون انسحابها كافياً لإسقاط الحكومة.

فالقائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة، اللتان تمتلكان معاً 19 مقعداً، قد توفران للحكومة دعماً من الخارج يمنع انهيارها والذهاب إلى انتخابات جديدة.

ولا يوجد اتفاق حتى الآن على توفير هذا الدعم، كما أن هذا الخيار لا يحظى بقبول جميع الأطراف المحتملة في ائتلاف آيزنكوت، لكن وجوده يضعف قدرة الأحزاب الحريدية على فرض شروطها باعتبارها صاحبة الكلمة الحاسمة في بقاء الحكومة.

وإذا اكتفت هذه الأحزاب بالحصول على تعهدات بشأن قانون التجنيد مقابل الانضمام إلى الائتلاف، فقد تجد نفسها لاحقاً أمام صعوبة في انتزاع التنازلات التي تطالب بها، خصوصاً إذا امتلك رئيس الحكومة بدائل برلمانية تحول دون سقوطه.

وقد دخلت التحولات في واشنطن بالفعل على خط النقاش الإسرائيلي بشأن هوية رئيس الحكومة المقبلة. فقد اعتبر يائير لابيد أن نتائج الانتخابات الأمريكية، إلى جانب التطورات المرتبطة برئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" دافيد زيني وقضية "رعَم غيت"، تنهي من وجهة نظره إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة نتنياهو.

لكن هذا الموقف لا يعكس بالضرورة توجه جميع قادة معسكر التغيير، إذ لا يزال السؤال الأساسي بالنسبة إليهم هو إمكانية تشكيل حكومة من دون نتنياهو، ومدى قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى تفاهمات تضمن أغلبية برلمانية.

كما أن خيار حكومة الوحدة الواسعة سيواجه اختباراً إضافياً على خلفية الحاجة إلى ترميم العلاقات مع الحزب الديمقراطي الأمريكي، الذي باتت قطاعات واسعة من أعضائه تنتقد سياسات حكومات نتنياهو.

وقد توفر حكومة وحدة برئاسة نتنياهو أغلبية برلمانية أوسع، وتستفيد من علاقات العمل القائمة مع ترامب، لكن اتساع تركيبتها لن يكون كافياً وحده لتحسين العلاقة مع الديمقراطيين. إذ يتطلب ذلك تغييراً فعلياً في السياسات التي أثارت اعتراضاتهم، وهو ما لا يبدو واضحاً أن نتنياهو وشركاءه مستعدون له.

وفي المقابل، لن تكون حكومة برئاسة آيزنكوت بمنأى عن الضغوط الأمريكية لمجرد أنها جاءت بديلاً عن حكومة نتنياهو. فترامب سيبقى في البيت الأبيض، وستظل القرارات الإسرائيلية الكبرى بشأن إيران بحاجة إلى تنسيق معه، فيما سيواصل الكونغرس الديمقراطي مراقبة سياسات الحكومة الجديدة، بعيداً عن هوية رئيسها.

فإذا واصلت الحكومة المقبلة النهج ذاته في الضفة الغربية، فلن يكون هناك ما يضمن توقف المبادرات التشريعية الأمريكية المناهضة للاستيطان أو تراجع الضغوط المرتبطة به.

وسيكون تغيير هذا المسار مرهوناً بقدرة الشركاء على الاتفاق داخلياً، وهي مهمة قد تكون صعبة في ظل التنازلات المطلوبة بشأن قانون التجنيد ومشاركة الأحزاب العربية والسياسة الاستيطانية. وقد تنتهي المفاوضات إلى حكومة تملك أغلبية عددية، لكنها تفتقر إلى التوافق بشأن ملفات أساسية تحدد اتجاهاتها السياسية والأمنية.

ما بعد ترامب.. اختبار طويل للعلاقات

لا تقتصر الحسابات الإسرائيلية على المرحلة الحالية، إذ يبرز عام 2028 بوصفه محطة مفصلية؛ ففي أيلول/سبتمبر من ذلك العام ينتهي اتفاق المساعدات الأمنية الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كما تشهد الولايات المتحدة انتخابات رئاسية جديدة.

ولن يكون ترامب قادراً على الترشح لولاية رئاسية أخرى، ما يعني أن النقاشات الجارية داخل الحزب الديمقراطي بشأن العلاقة مع إسرائيل قد تتحول إلى جزء من برنامج الإدارة الأمريكية المقبلة، إذا فاز مرشح ديمقراطي بالرئاسة.

وبذلك، فإن المبادرات التي تبدأ حالياً في الكونغرس عبر جلسات الاستماع ومقترحات القوانين قد تتحول مستقبلاً إلى توجهات رسمية للسياسة الخارجية الأمريكية.

وخلال العامين المقبلين، ستكون إسرائيل مطالبة بالاستعداد لمفاوضات جديدة بشأن المساعدات الأمنية، والعمل على تعزيز علاقاتها مع القوى السياسية التي قد تتولى صياغة السياسة الأمريكية بعد انتهاء ولاية ترامب.

أما تأجيل هذه الجهود إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، فقد يعني مواجهة واقع أكثر صعوبة، في ظل احتمال ترسخ المواقف الناقدة لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي وتراجع قدرتها على التأثير في توجهاته.

وستحتاج الحكومة الإسرائيلية المقبلة إلى العمل على استعادة مكانة إسرائيل لدى الديمقراطيين، وكذلك لدى شرائح من الجمهوريين الذين باتوا أكثر تحفظاً تجاه الحروب والتدخلات العسكرية في الشرق الأوسط.

فعدد متزايد من السياسيين في الحزبين بات يخشى دفع ثمن انتخابي نتيجة تأييد إسرائيل، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الدعم الأمريكي مرتبطاً بقرارات سياسية تتخذها الحكومة في القدس، وقد يتطلب منها تحمل كلفة داخلية مقابل تحسين علاقاتها بواشنطن.

ومن بين الملفات التي ستواجه الحكومة المقبلة كيفية التعامل مع عنف المستوطنين، ومراجعة الخطوات الاستيطانية التي تثير اعتراضات داخل الكونغرس، وتقديم مبررات مقنعة للرأي العام الأمريكي بشأن استمرار التعاون الأمني مع إسرائيل.

كما لن يكون التواصل مع البيت الأبيض كافياً، بل ستحتاج الحكومة إلى بناء علاقات مستمرة مع قيادات الحزبين وأعضاء الكونغرس والشرائح الشعبية التي تراجعت مستويات تأييدها لإسرائيل خلال السنوات الأخيرة.

وفي ضوء ذلك، لن تكون الصور المشتركة في المكتب البيضاوي أو العلاقات الشخصية بين القادة كافية لمعالجة أزمة تتجاوز حدود العلاقة بين رئيسين، وتمتد إلى المؤسسات السياسية والناخبين والرأي العام الأمريكي.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه قادة الأحزاب الإسرائيلية بحسابات الوصول إلى 61 مقعداً وتحديد الشركاء القادرين على تشكيل الحكومة، فإن التحدي الأكبر سيبدأ بعد انتهاء مفاوضات الائتلاف.

فالحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام واقع أمريكي مختلف؛ ترامب لا يزال في البيت الأبيض، لكن الكونغرس لم يعد تحت سيطرة حزبه، والدعم الذي اعتادت إسرائيل اعتباره مضموناً لم يعد كذلك، بل تحول إلى قضية سياسية يتطلب الحفاظ عليها جهداً وتغييرات في السياسات.

وبينما تسعى الأحزاب الإسرائيلية إلى تأمين الأغلبية اللازمة للحكم في الكنيست، سيكون على رئيس الحكومة المقبل البحث أيضاً عن أغلبية سياسية وشعبية داعمة لإسرائيل في واشنطن، في معادلة تبدو أكثر تعقيداً من مجرد تشكيل ائتلاف حكومي.