نشرت في 02 أغسطس 2026 10:22 ص
https://khbrpress.ps/post/433385
تم الإعلان عن موافقة «حماس» على مقترح المرحلة الثانية، الذي يعني الانتقال لمرحلة جديدة تبدأ خلالها لجنة التكنوقراط عملها في داخل قطاع غزة بعد استراحة واستجمام في «الستي ستارز» لأكثر من نصف عام. المؤكد أن الكل الفلسطيني فرح بهذا ليس لأنه انتصار ولا لأنه مصلحة وطنية، ولكن لأنه يعني التخفيف عن الناس وإفساح المجال لحياة أقل خطراً وأكثر كرامة. لا يهم كثيراً المصطلحات ولا حقيقة واقع قطاع غزة بعد ثلاث سنوات من المغامرة والمقامرة والإبادة، ما يهم أن الناس على الأقل ستجد حياة «أقل تعباً» وأخف وطأة، ومن عاش في غزة في الحرب يدرك ذلك ويعرف الفرق الكبير بين أن تجد ماءً قرب بيتك أو خيمتك وبين أن تحمل دلو الماء لقرابة نصف كيلومتر. الفرق كبير بين الحياة التي يعيشها الناس وتلك التي فقدوها أو بين ما يجب أن تكون عليه حياتهم وبين تلك الحياة التي جُلبت لهم وفرض عليهم عيشها. ورغم كل شيء فإن لسان حالنا يقول: أي شيء أفضل من لا شيء لأننا نتعامل مع عدو نزع من التاريخ كل قسوته واحتفظ بها لنفسه، كما نتعامل مع أناس يتحكمون بمصير غزة بلا رحمة ولا حكمة ولا يقيمون اعتباراً للآخرين، فالتاريخ لم يبدأ بهم فقط ولكنه ينتهي عندهم أيضاً. للأسف هذا هو واقع الحال،
وحين يكون كذلك لا بد من اعتبار أي خلخلة بالوضع القائم فرصة من أجل بصيص أمل؛ حتى لو كان باهتاً ولا يكفي لإنارة زقاق.
الاتفاق الذي وقعت عليه «حماس» كان بإمكانها أن توقع عليه قبل عامين أو حتى أكثر، ولكنها ماطلت وقدمت الأمر على أنه صلابة تفاوضية منقطعة النظير وصمود أسطوري غير مسبوق؛ بل يجب تدريسه. وفي نهاية المطاف وافقت «حماس» على كل ما كان مطلوبا منها وربما أكثر. تتذكرون حين تم الحديث عن البنود غير المعلنة من اتفاق وقف إطلاق النار، بدا الأمر كأنه مجرد هجوم آخر من خصوم «حماس» عليها لكن ها نحن نجني ثماره وتنكشف بعض بنوده تدريجياً. المؤلم أن الثمن الوحيد الذي طلبته «حماس» مقابل كل هذا التنازل هو وقف الاغتيالات، بكلمة أخرى حماية نفسها وحماية أفرادها. لم يكن يمكن لها أن تحافظ على الشعب طوال سنتين وتحميه من الموقف المؤكد الذي كان الكل يعرف أنه قادم لغزة بسبب بعض المغامرات البهلوانية والاستعراضية التي لم تكن في جزء كبير منها إلا لقطات مونتاج وعروضا خلف فضائيات شريكة بالجريمة ضد غزة، بل واصلت الرفض وصورت فكرة تسليم السلاح بأنها خيانة وأن الإصرار على عدم تسليمه انتصار للحركة وهزيمة للشعب، بل ساهمت بذلك بزيادة الضغط على الناس وتقتيلهم من خلال تصوير هذا السلاح بأنه الضامن والحامي والشافي والشفيع حتى.
المفارقة المضحكة أن تتلاعب «حماس» وقادتها بالمصطلحات والقول، إنها وافقت على «تخزين» السلاح وليس تسليمه. ثمة أمثلة عربية كثيرة حول هذا الاستغفال للآخرين، ولكن أكثرها تأدباً هو «وين ذانك يا جحا». والمضحك أن يتم تقديم «تخزين» أو تسليم السلاح على إنه إنجاز وطني كبير. القصة ليست فيما تسمي ما جرى بل في النتيجة التي دفعها الشعب من أجل ما جرى. عموماً، طرح علي «حماس» قبل ذلك تسليم السلاح للسلطة والتوافق على لجنة وطنية يشكلها الرئيس ورأت في هذا الطرح آفة الآفات وكبرى المصائب والنكسات. الآن، يتم تسليمه للقوات الدولية ويخزن عندها. ومن يسمع قادة «حماس» يظن أن تخزين السلاح يعني أن «حماس» وقتما شاءت يمكن لها أن تسترده وأنه سيتم الحفاظ عليه وصيانته وربما تطويره حتى يكون جاهزاً حين تريده. «حماس» لا تريد أن تقول، إنها هزمت واستسلمت، وكان يمكن لها أن تفعل نفس الشيء من قبل، لكنها آثرت أن تضحي بالشعب مقابل مصالحها لأن صمودها يعني صمود حلفائها الذين لم يروا في غزة إلا أداة أخرى لنفوذ إقليمي سعوا إليه، بل إنها تقول، إنها فعلت هذا من أجل غزة. ولو كان الأمر كذلك فإن غزة كانت بحاجة ماسة وحقيقية لهذا الموقف قبل ثلاثين شهراً وقت الهدنة الأولى نهاية تشرين الأول من العام ٢٠٢٣. لقد سبق السيف العذل.
الذي يقرأ بيان «حماس» يكتشف كيف يتم الحديث عن «عملية» تفاوضية ويتم استخدام المصطلح من أجل تصوير الأمر على أنه معركة شرسة، وتوقعوا أن يتم استخدام مصطلح «معركة المفاوضات» المرة القادمة. واشنطن من صاغت عبارة عملية السلام ولاحقاً قال الساسة هناك، إن ما يهم هو العملية وليس السلام، كما من المهم ألا يموت المريض فيظل يتنفس تحت الأجهزة أفضل من الإعلان عن موته. والآن ما يهم هو العملية التفاوضية. ولكن ما يهم فيها بالنسبة لـ»حماس» أن تظل تفاوض وتظل طرفاً فاعلاً في تقرير مصير غزة. كل هذا أملاً في أن يتم القبول بها لاحقاً، ولا تستبعدوا ذلك، أو أن تحدث معجزة لا يعرفها أحد تغير موازين كل شيء؛ إنها المعجزة التي كان يتم انتظارها طوال قرابة ثلاثة أعوام.
يتم بشدة وإصرار التأكيد على الامتعاض الإسرائيلي من مسودة الاتفاق والتركيز على رفضه وعن أن قبول إسرائيل به يعتبر تراجعا وهزيمة وانكسارا، ويتم اقتباس عبارات كبيرة من أفواه الساسة في تل أبيب من أجل تصوير الاتفاق بأنه كارثة على إسرائيل، بالمقابل فإن الاتفاق وفق هذا التركيز يبدو انتصارا لـ»حماس» التي في نهاية المطاف سلمت كل شيء ووقعت على اتفاق كتبه نتنياهو ومستشاروه في الأساس. وعليه وحين تعلن إسرائيل موافقتها وستعلن يقال، إنها هزمت هزيمة نكراء وأن المغامر الذي أخذ البلد في حوض نعنع انتصر وان تدمير غزة انتصار وإطلاق سراح الأسرى مقابل امتلاء السجون انتصار، وان الحفاظ على الخط الأصفر الذي التهم ٦٠% من غزة انتصار وان كل ما جرى ليس أكثر من معجزة إلهية نجت فيها غزة وانتصرت. الحمد الله على النجاة.