بقلم: وليد العوض

نصر أبو جيش.. انهض يا جبلَ المحامل

نشرت في 07 يوليو 2026 12:00 ص

بقلم: وليد العوض

غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432295

كتب وليد العوض                     

هناك رجالٌ لا يمكن اختصارهم بسيرةٍ ذاتية، ولا بموقعٍ تنظيمي، ولا بمنصبٍ شغلوه يومًا. رجالٌ حين يُذكر اسمهم، تتداعى إلى الذاكرة الأرض، والناس، والوجوه، والميادين.

الرفيق نصر أبو جيش واحدٌ من هؤلاء.

ليس لأن اسمه ارتبط بعضوية اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني أو كعضو في المجلس المركزي الفلسطيني ، أو لأنه قاد العمل الوطني منسقًا للفصائل في محافظة نابلس، أو لأنه ترأس بلدية بيت دجن لسنوات، بل لأن حياته كانت مشروعًا مفتوحًا لخدمة الناس، وللدفاع عن الأرض، وللإيمان بأن فلسطين تستحق أن يُوهب لها العمر كله.

كم من صباحٍ سبقته خطواته إلى الحقول المهددة بالمصادرة. وكم من مساءٍ عاد منهكًا، لكنه أكثر إيمانًا بأن شجرة زيتونٍ واحدة تستحق كل هذا العناء.

في بيت دجن، لم يكن نصر شاهدًا على المواجهة… كان جزءًا منها.

كان يقف مع أهله ورفاقه في وجه اعتداءات المستوطنين، يحرس الأرض كما يُحرس البيت، ويعامل التراب كما يُعامل الأب أبناءه. لم يكن يرى في الدفاع عن الأرض بطولةً استثنائية، بل واجبًا طبيعيًا لا يقبل التأجيل ولا المساومة.

وعلى الحواجز، حيث حاول الاحتلال أن يكسر إرادة الناس، كان نصر يعرف أن الإنسان قد يُرهَق، لكنه لا ينكسر. كان حضوره يمنح الآخرين شجاعة إضافية، ويقول بصمته قبل كلماته إن الكرامة لا تُقاس بموازين القوة، بل بقدرة الإنسان على أن يبقى واقفًا.

ولأنه رجل وحدةٍ قبل كل شيء، ظل يجمع القلوب كلما تفرقت، ويطفئ الحرائق قبل أن تتسع، مؤمنًا أن الوطن لا يحتمل انقسامًا جديدًا، وأن القضية أكبر من الجميع.

لم يكن يبحث عن الأضواء، ولم يكن ينتظر شكرًا من أحد. كان يفعل ما يؤمن به، ثم يمضي، تاركًا خلفه احترامًا صامتًا يسكن قلوب من عرفوه.

واليوم…

يقف نصر في مواجهةٍ من نوعٍ آخر.

لا مستوطن أمامه، ولا حاجز، ولا جندي احتلال.

بل جسدٌ أنهكه المرض، يرقد في غرفة العناية المكثفة، فيما قلوب رفاقه ومحبيه معلقة بين الدعاء والرجاء.

وكم يبدو المشهد قاسيًا…

أن ترى الرجل الذي اعتدت أن تراه سندًا للآخرين، يحتاج اليوم إلى دعواتهم.

أن ترى من حمل هموم الناس سنواتٍ طويلة، يحتاج الآن إلى أن يحمل الناس عنه وجعه بالدعاء والمحبة.

يا نصر…

يا ابن بيت دجن التي لم تغادرها يومًا، حتى وأنت خارجها.

يا رفيق الدرب الطويل، ويا صاحب القلب الذي اتسع للناس جميعًا.

ليس من حق المرض أن ينتصر على رجلٍ اعتاد أن يقف في الصفوف الأولى.

وليس من حق الغياب أن يسرق من ميادين نابلس واحدًا من أكثر وجوهها وفاءً.

انهض…

فما زالت الأرض تعرف وقع خطاك.

وما زالت أشجار الزيتون تنتظر يدك التي طالما حمتها.

وما زال الرفاق يترقبون ابتسامتك التي كانت تقول لهم: “سنكمل الطريق.”

انهض…

فالجبل لا يليق به إلا أن يبقى شامخًا  مثل نابلس جبل النار.

وكلنا على يقين أن إرادة الحياة التي سكنت قلبك، والإيمان الذي حملته في كل سنوات النضال، سيكونان أقوى من هذا الوجع.

من هنا من غزة النازفة  ندعو لك بالشفاء العاجل، وأن تعود إلى أهلك ورفاقك ومحبيك، كما عرفناك دائمًا…

واقفًا…بسيطًا…صلبًا…

يشبه فلسطين، كلما أثقلها الوجع، نهضت من جديد.