بقلم: وليد العوض

خطاب الحية.. غياب الرواية الوطنية في لحظة تحتاج إلى مشروع وطني جامع

نشرت في 23 يوليو 2026 10:41 م

بقلم: وليد العوض

غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432982

كتب : وليد العوض

في خضم الحزن على رحيل الرفيق العزيز نصر أبو جيش، أحد أبرز قادة الحركة الوطنية الفلسطينية ونشطاء المقاومة الشعبية، وما يعيشه شعبنا من قتل وتجويع وقصف يومي في قطاع غزة، فاتني الاستماع إلى الخطاب الأول للدكتور خليل الحية بعد انتخابه رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس. وحين عدت إليه لاحقًا، وجدته يستحق قراءة هادئة، ليس فقط لما تضمنه، وإنما أيضًا لما غاب عنه.

يأتي انتخاب الحية في ظروف استثنائية فرضتها حرب الإبادة، وبعد استشهاد عدد من أبرز قادة الحركة، بما يعكس عملية تجديد للقيادة تحت النار. ولذلك، فإن خطابه الأول لا يُقرأ بوصفه كلمة بروتوكولية، بل باعتباره مؤشرًا إلى رؤية الحركة للمرحلة المقبلة.

تضمن الخطاب رسائل إيجابية، وفي مقدمتها التأكيد على وقف العدوان، وإغاثة أبناء شعبنا، وإعادة إعمار غزة، والتشديد على أهمية الوحدة الوطنية. وهي جميعها أهداف تحظى بإجماع وطني. غير أن الخطاب لم يوضح كيف يمكن بلوغ هذه الأهداف، ولا ما الذي يمكن أن تبادر إليه حركة حماس في ظل مسار تفاوضي تجري خيوطه وفق موازين قوى وضغوط تفرضها الوقائع الميدانية والمشاريع المطروحة لمستقبل غزة. وكان من المهم أن يطرح رؤية لكيفية استعادة المبادرة الوطنية الفلسطينية، والخروج من حالة انتظار المبادرات التي يصوغها الآخرون، بمغادرة مربعات الوهم والدخول إلى مربعات المبادرة الوطنية، عبر مشروع فلسطيني موحد يعيد بناء النظام السياسي، ويوحد القرار الوطني، ويجعل الفلسطينيين أصحاب المبادرة في رسم مستقبلهم، بدل البقاء أسرى مشاريع الآخرين. ومن هنا، فإن القراءة النقدية تقتضي التوقف عند القضايا التي لم يتناولها الخطاب، وهي في تقديري لا تقل أهمية عما ورد فيه.

أولى هذه القضايا غياب الرواية الوطنية الفلسطينية الجامعة. فلم يتوقف الخطاب عند انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ولا عند التضحيات التي قدمتها مختلف فصائل الحركة الوطنية، ولا عند الشهداء والأسرى والجرحى الذين صنعوا، على امتداد العقود، تاريخ النضال الفلسطيني. فمعارك التحرر لا تُبنى على ذاكرة فصيل، بل على ذاكرة شعب.

كما غاب التذكير بالإنجازات السياسية التي حققتها الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها تثبيت الهوية الوطنية، وانتزاع الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، والاعتراف الدولي بدولة فلسطين، وبناء المكانة القانونية والسياسية للقضية الفلسطينية. وهذه ليست إنجازات تخص تنظيمًا بعينه، بل هي رصيد وطني ينبغي صونه والبناء عليه.

والأهم أن الخطاب لم يقدم رؤية سياسية واضحة لمواجهة استحقاقات اليوم التالي للحرب. فالمعركة المقبلة لن تكون فقط من أجل وقف العدوان، بل من أجل إحباط مشاريع فصل غزة عن الضفة الغربية، والتصدي لمحاولات فرض ترتيبات سياسية تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وكان من الطبيعي أن يتضمن الخطاب تأكيدًا أوضح على أن غزة والضفة وحدة جغرافية وسياسية واحدة، وعلى ضرورة حماية منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها باعتبارها المرجعية الوطنية الجامعة، إلى جانب الدعوة إلى إنهاء الانقسام عبر خطوات عملية تبدأ بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية.

إن التحديات التي تواجه شعبنا اليوم أكبر من أي فصيل، ولذلك فإن المرحلة تحتاج إلى مشروع وطني جامع، يستند إلى التاريخ المشترك، ويحترم تضحيات جميع القوى الوطنية، ويوحد أدوات النضال السياسي والشعبي والدبلوماسي في مواجهة الاحتلال.

لقد حمل خطاب الحية رسائل مهمة، لكنه ترك أسئلة جوهرية بلا إجابة. فالفلسطينيون اليوم لا يحتاجون فقط إلى خطاب يؤكد الصمود والمقاومة فهم يعيشونها دون وسيط أو وكيل ، بل إلى رؤية وطنية جامعة تستحضر تاريخ الحركة الوطنية، وتحمي إنجازاتها، وتحدد بوضوح كيف يمكن استعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني. لقد آن الأوان لمغادرة مربعات الوهم، والدخول إلى مربعات المبادرة الوطنية، لأن المعركة بعد الحرب ستكون  على الهوية والرواية والتمثيل والمستقبل، وهي معركة لا يمكن كسبها إلا بمشروع وطني جامع يشارك به الجميع دون غرور .