نشرت في 06 أغسطس 2026 10:56 ص
https://khbrpress.ps/post/433564
بعد أن عبّر دونالد ترامب عن سعادته بالاتفاق الأخير في غزة قبل أيام، والذي بات ممكناً بعد إعلان حركة «حماس» لأول مرة استعدادها لتسليم أسلحتها للجنة الفلسطينية المنبثقة عن مجلس السلام الذي أنشأه ترامب، اعتبرت إسرائيل أن هذا الاتفاق لا يلبي طموحاتها، وردّت على تفاؤل جميع الأطراف بمزيد من التصعيد والتدمير وقتل المدنين. وهذه ليست المرة الأولى التي تحرج فيها إسرائيل واشنطن.
يطرح هذا المقال سؤالاً رئيساً حول إمكانية أن تفرض واشنطن على إسرائيل تنفيذ الاتفاق الحالي في غزة، والذي يعد مهماً، لأنه ينقل تنفيذ خطة ترامب للسلام ذات البنود العشرين إلى المرحلة الثانية. في إطار تحليل الشروط التي لا تجدها إسرائيل ملبية لأهدافها في الاتفاق الحالي، يبحث هذه المقال في إمكانية وحدود تعطيلها لتنفيذ الاتفاق. كما يقارن مدى قدرة ترامب على إلزام إسرائيل بتنفيذ شروط الاتفاقيات مع كل من لبنان وإيران لاستشراف مدى قدرته على إلزام إسرائيل تنفيذ الاتفاق الحالي في غزة.
إن غياب التوافق بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول تفاصيل وترتيبات الاتفاق في غزة يجعل تنفيذه هشاً. ويبدو التباين جلياً في تفاصيل تلك الترتيبات والتي تظهر في تصريحات واشنطن حولها في البداية، والتي جاءت متوافقة مع ما أعلنت عنه «حماس» أيضاً من ناحية، وبين موقف إسرائيل منها، والذي فسر تراجع واشنطن ومجلس السلام بعد ذلك لتصبح أكثر انسجاماً مع التوجه الإسرائيلي.
ركزت التصريحات الأميركية في أعقاب الإعلان عن الاتفاق الأخير على تزامن تسليم «حماس» والفصائل الفلسطينية السلاح الثقيل والمتوسط للجنة الفلسطينية وتدمير الأنفاق والبنية التحتية مع بدء انسحاب إسرائيل باتجاه «الخط الأصفر»، الذي تجاوزته إسرائيل بعد سريان وقف إطلاق النار. كان يفترض أن يشكل ذلك الخط الحد الذي انتهت عنده الحرب، وعدم تجاوزه من قبل إسرائيل في إطار سريان المرحلة الأولى من الاتفاق. في المقابل، أشارت تصريحات إسرائيل الرسمية إلى عدم نيتها الانسحاب إلا بعد تجريد القطاع بالكامل من السلاح بجميع أنواعه حتى الخفيف منه، وتدميره أو إخراجه من القطاع. كما تعترض إسرائيل على وجود قطر وتركيا في اللجنة المستقلة التي أنشأها ترامب للتحقق من تنفيذ الأطراف للاتفاق. وتبدو الخلافات أساسية وتمس جوهر التنفيذ، حيث بدأت تصريحات مجلس السلام والإدارة الأميركية تميل باتجاه إرضاء إسرائيل، وهو ما رفضته اللجنة المستقلة للتحقق من التنفيذ، والتي تضم أيضاً مصر.
وفي محاولة لدراسة سلوك واشنطن في لبنان، ومدى حدود الضغط الذي مارسته على إسرائيل لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والانسحاب من لبنان، الذي وقّع بوساطة أميركية، لاستشراف سلوكها المتوقع في غزة، تبدو المؤشرات غير مشجعة. في نهاية عام 2024 جرى الاتفاق بين لبنان وإسرائيل على وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني المحتل، وإحلال الجيش اللبناني محل قوات «حزب الله» جنوب الليطاني. تواصلت الضغوط الأميركية على الحكومة اللبنانية و»حزب الله» لتنفيذ الاتفاق، فوافق الحزب على ترتيبات وقف إطلاق النار، وتراجع وجوده في الجنوب بعد الاتفاق، وكذلك هجماته عبر الحدود بصورة كبيرة، ووصفت بالمحدودة جداً من قبل توثيق الأمم المتحدة، مقابل تسجيل آلاف الخروقات الجوية والبرية الإسرائيلية في لبنان. ونفذت الحكومة اللبنانية كذلك التزاماتها بموجب ذلك الاتفاق، فانتشر الجيش اللبناني في مناطق واسعة بالجنوب، وفكك مئات المواقع التي انسحب الحزب منها. ووضعت الحكومة بعد ذلك خطةً لحصر السلاح في الدولة اللبنانية بعد مطالبة واشنطن لها بوضع جدول زمني لجمع سلاح الجماعات المسلحة، وربط ذلك بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ما خلق حالة من الاستهجان الواسع. واعتبرت واشنطن خطة الحكومة بالجدولة الزمنية لنزع السلاح غير مسبوقة، وطلبت من إسرائيل تخفيف غاراتها لإتاحة الفرصة أمام الحكومة اللبنانية لتنفيذ تلك الخطوة. في المقابل لم تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان. ولا تزال الأخيرة تسيطر حتى الآن على خمسة مواقع مركزية جديدة بعد الحرب. كما لم تضغط واشنطن على إسرائيل لوقف اعتداءاتها المتواصلة على لبنان طوال العامين الماضيَين أي بعد توقيع هذا الاتفاق. إلا أنه من الملاحظ أن واشنطن ضغطت على إسرائيل لمنع هجوم كان متوقعاً على بيروت في حزيران الماضي في خضم مفاوضاتها وتوصلها لتفاهمات مع إيران، وكان يمكن لهذه الضربة أن تعطل تلك التطورات في حينه. أي أن الولايات المتحدة تتدخل بقوة لتحييد السلوك الإسرائيلي عندما يؤثر على أهدافها ومصالحها الإقليمية.
يبدو جلياً، وفي إطار مقارنة الدور الأميركي في ضمان تنفيذ الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، أن الولايات المتحدة تسعى لاستمرار الاتفاق والحفاظ على حالة مستمرة من المفاوضات، ووقف الحرب بالمعني العام، دون ردع إسرائيل عن مواصلة اعتداءاتها، كما يحصل مع لبنان وغزة، منذ توقيعهما الاتفاق مع إسرائيل. كما أن واشنطن تتوجه لممارسة الضغط على الطرف الآخر وليس على إسرائيل، كما جرى بالضغط على الحكومة اللبنانية و»حزب الله». ويبدو جلياً في الحالتين أن تحقيق الأهداف الإسرائيلية يأتي على رأس أولويات واشنطن، بصرف النظر عن تطلعات ومصالح الأطراف الأخرى. وعلى الأطراف الأخرى أن تكون واعية لطبيعة هذا الدور الأميركي، لتبقى موازنة بين مصالحها وأهدافها الوطنية وبين ضرورة الوجود الأميركي للحد قدر الإمكان من أضرار إسرائيل الكارثية على المنطقة ودولها.
عند تحليل السلوك الأميركي مع إيران خلال حقبة ترامب الحالية، يتضح أن توجه الولايات المتحدة للتفاوض أو للوصول لهدنة أو حتى لحصر الصراع في مضيق هرمز ليس لإنهاء الحرب ووقف القتال تماماً، وإنما للتجهيز للضربة القادمة، أو للضغط على إيران بإستراتيجية الاستنزاف عبر الزمن لتحصيل التنازلات التي تنشدها واشنطن. وقد يكون ذلك مؤشراً مهماً للبنان وغزة، فالوصول لاتفاق هش مع إسرائيل، مع مواصلتها لانتهاكاتها، تحت مسمى أقل من الحرب، وصمت الولايات المتحدة على تلك الانتهاكات يشبه بشكل أو بآخر سلوك واشنطن في إيران. كما أن واشنطن دخلت بالفعل بمفاوضات مع إيران أكثر من مرة، وأثناء الجلوس حول طاولة المفاوضات اتخذت القرار بمهاجمة إيران، في ظل ترجيح إستراتيجية الضغط لفرض النتائج على أي إستراتيجيات سلمية. قد تكون حقبة ترامب ليست أفضل الحقب للوصول لاتفاقيات وحلول سلمية مع دول المنطقة، خصوصاً عندما تتزامن دورته الرئاسية مع فترة حكم حكومة نتنياهو اليمينية.
يبدو الخلاف بين ترامب ونتنياهو في غزة حتى الآن تكتيكياً، إلا أنه يصبح إستراتيجياً عندما يتعلق بالاستقرار المطلوب في المنطقة للمحافظة على المصالح الأميركية فيها، وبخطر استخدام إسرائيل للقوة بشكل مفتوح والذي يمكن أن يعطل ذلك الاستقرار. وقد تضطر واشنطن لإجبار إسرائيل لكبح جماحها، خصوصاً أنها لا تزال تمتلك نفس الأدوات التي امتلكتها في الماضي، ومكنتها من ذلك في تجارب مثل إجبار إسرائيل على الانسحاب من سيناء في سبعينيات القرن الماضي، والمشاركة في مفاوضات مدريد مطلع العقد التاسع منه، وغيرها من الأمثلة. ويشكل الاستقرار في منطقة الخليج لواشنطن هدفاً إستراتيجياً، ويرتبط مباشرة بمصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع حلفائها الخليجيين، بينما لا يشكل احتلال إسرائيل لغزة أو للضفة أو للجنوب اللبناني معضلة تذكر لواشنطن، بل إن أهم أهداف واشنطن تتمحور حول حفظ أمن إسرائيل، والذي تربطه الأخيرة مباشرة بالقضاء على أي قوة عسكرية موجودة في المنطقة، والذي يمكنها من فرض سيطرتها وإرادتها على الشعب الفلسطيني واللبناني. لذلك تبقى تلك الأهداف بطبيعتها في غزة ولبنان تكتيكية، إلا أنها قد تتحول لأهداف إستراتيجية لواشنطن إذا تم ربطها بملفات دول المنطقة الأوسع والأهم لها.
اليوم مطلوب من الوسطاء عدم إغلاق باب التفاوض، بسبب اعتراض إسرائيل على تنفيذ شروط الاتفاق، وعدم الانسياق لتصريحات مجلس السلام والإدارة الأميركية المتعاطفة مع توجهات إسرائيل. كما عليهم مواصلة التمسك بجوهر وتفاصيل الاتفاق التي لا تجحف قدر الإمكان بالحقوق الفلسطينية. وهو بالفعل ما تقوم به مصر وقطر وتركيا حالياً، وترجم في بيانهم الأخير رداً على موقف إسرائيل من الاتفاق.
وقد يكون من الضروري تنسيق الوسطاء لبروتوكول تنفيذي ومتزامن ومرحلي يشرح بدقة الإجراءات المطلوبة من كل من حركة «حماس» وإسرائيل، لتجنب معضلة انعدام الثقة بين الأطراف. كما يعد ضرورياً تسليم المناطق التي تنسحب منها إسرائيل للقوة الدولية المنصوص عليها في خطة ترامب، لحين انتهاء المرحلة الانتقالية، لأن العمل بالتوازي بين الوسطاء واللجنة الفلسطينية والقوات الدولية وواشنطن يعد سبيلاً مهماً لإنجاح الاتفاق. وتظهر أهمية ودور واشنطن في هذه المرحلة بضرورة ضمانها تنفيذ إسرائيل للإجراءات وشروط الاتفاق. وهنا يظهر الاختبار الحقيقي لواشنطن، والاختبار الحقيقي للفلسطينيين واللبنانيين أيضاً، لعدم حصر الصراع مع إسرائيل بشكل ثنائي مفصول عن بيئته والإقليم.