بقلم . مناضل حننى

إسرائيل بعد الانتخابات: معركة تشكيل الحكومة تتجاوز نتنياهو.. وآيزنكوت أمام اختبار الأغلبية والبديل السياسي

نشرت في 02 نوفمبر 2026 10:35 م

بقلم . مناضل حننى

رام الله - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/437422

الأحزاب العربية في موقع ترجيح الكفة، والمعارضة توحّد موقفها خلف آيزنكوت، فيما يناور نتنياهو لمنع انتقال السلطة

لم تُنهِ الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 حالة الانقسام السياسي، بل نقلتها إلى مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها معركة تشكيل الحكومة. فنتائج صناديق الاقتراع لم تمنح بنيامين نتنياهو أغلبية تتيح له تشكيل حكومة مستقرة، كما لم تمنح خصومه تفويضاً واضحاً للحكم، لتدخل إسرائيل مرحلة مفاوضات مفتوحة تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع الخلافات الأيديولوجية والرهانات البرلمانية.

أفرزت النتائج تقدّم حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحصوله على 27 مقعداً، فيما حل حزب «يشَر» بقيادة غادي آيزنكوت ثانياً بـ21 مقعداً، وحصل حزب نفتالي بينيت «معاً» على 12 مقعداً. أما القائمة المشتركة فنالت 11 مقعداً، والديمقراطيون 8، ورعام 8، وإسرائيل بيتنا 7، ويهدوت هتوراه 7، وعوتسما يهوديت 7، وشاس 6، والصهيونية الدينية 6 مقاعد.

وتكشف هذه النتائج عن معادلة برلمانية شديدة التعقيد: معسكر نتنياهو يملك 53 مقعداً، بينما تصل أحزاب المعارضة الصهيونية إلى 48، في حين تمتلك الأحزاب العربية 19 مقعداً. وبذلك لا يستطيع أي من المعسكرين بلوغ عتبة الأغلبية البالغة 61 مقعداً من دون تفاهمات مع أطراف أخرى، ما يجعل الأحزاب العربية عاملاً مؤثراً في تحديد هوية الحكومة المقبلة، رغم الخلافات القائمة حول طبيعة التعاون معها.

آيزنكوت يتقدم بوصفه مرشح البديل

في مواجهة نتنياهو، بدأ اسم غادي آيزنكوت يتقدم بوصفه المرشح الأكثر قدرة على جمع قوى المعارضة. فقد أعلن نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان دعمهم تكليفه بتشكيل الحكومة، في خطوة تهدف إلى توحيد الموقف ومنع تشتت الأصوات بين أكثر من مرشح.

ومن المقرر أن يجتمع قادة أحزاب المعارضة لتنسيق خطواتهم، في محاولة للانتقال من مجرد إعلان الرغبة في إسقاط حكومة نتنياهو إلى بناء مسار سياسي وبرلماني قادر على إنتاج بديل. لكن الاتفاق على اسم آيزنكوت لا يعني بالضرورة الاتفاق على برنامج حكومي أو على طبيعة التحالفات اللازمة لضمان بقائه.

فالمعارضة ليست كتلة متجانسة؛ إذ تتباين مواقف مكوناتها من قضايا الأمن والتسوية السياسية والعلاقة مع الأحزاب العربية، كما تختلف حساباتها بشأن شكل الحكومة المقبلة. وبينيت وليبرمان، على سبيل المثال، يتحفظان على الاعتماد السياسي المباشر على الأحزاب العربية، بينما يبدو غولان أكثر انفتاحاً على التعاون معها.

الأحزاب العربية.. بيضة القبان

تكتسب الأحزاب العربية أهمية استثنائية في هذه المرحلة، إذ إن جمع مقاعد المعارضة الصهيونية والأحزاب العربية يرفع العدد النظري إلى 67 مقعداً، وهو رقم يتجاوز الأغلبية المطلوبة. غير أن هذه الحصيلة الحسابية لا تعني وجود ائتلاف جاهز، في ظل اختلاف المواقف بشأن المشاركة في الحكومة أو دعمها من الخارج.

وتتجه القائمة المشتركة، وفق المواقف المتداولة، إلى بحث إمكانية دعم حكومة بديلة من خارج الائتلاف، فيما تبدو رعام أكثر انفتاحاً على صيغ مختلفة للتعاون، بما فيها المشاركة، وفق شروط سياسية تتصل بقضايا المجتمع العربي والحقوق المدنية والميزانيات.

لكن هذا الدور يضع الأحزاب العربية أمام معادلة صعبة: كيف تستثمر قوتها البرلمانية لإحداث تغيير سياسي يحدّ من سياسات الحكومة الحالية، من دون أن تتحول إلى مجرد أداة لتأمين أغلبية لحكومة لا تقدم التزامات واضحة تجاه قضايا الفلسطينيين داخل إسرائيل؟

وفي المقابل، يدرك آيزنكوت أن الوصول إلى رئاسة الحكومة يتطلب صيغة تفاهم لا تقتصر على توزيع الحقائب والمناصب، بل تشمل تحديد طبيعة العلاقة مع الأحزاب العربية وحدود التعاون معها، وهي نقطة قد تكون من أكثر الملفات حساسية في المفاوضات.

شروط آيزنكوت ومأزق الأحزاب الحريدية

طرح آيزنكوت مجموعة مبادئ لتشكيل حكومته، تتضمن تعريف إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية ومساواتية، والالتزام بإعلان الاستقلال، وتطبيق مبدأ الخدمة العسكرية أو الوطنية والمدنية على الجميع، إضافة إلى اعتبار حماس منظمة إرهابية والعمل على تفكيك قدراتها العسكرية والحكومية في قطاع غزة.

وتحمل هذه المبادئ رسائل سياسية متعددة؛ فهي تستهدف تقديم آيزنكوت بوصفه مرشحاً أمنياً وسياسياً قادراً على مخاطبة الوسط الإسرائيلي، كما تضع إطاراً تفاوضياً أمام الأحزاب التي قد تنضم إلى حكومته أو تدعمها.

وتبرز هنا مسألة الأحزاب الحريدية، ولا سيما «يهدوت هتوراه»، التي قد تجد مصلحة في التفاوض مع حكومة بديلة من أجل ضمان الميزانيات والترتيبات المتعلقة بطلاب المعاهد الدينية وقانون التجنيد. غير أن هذا الاحتمال لا يزال غير محسوم، لأن الخلاف حول إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية يمثل أحد أبرز أسباب الأزمة السياسية الإسرائيلية.

نتنياهو يناور.. والخيارات تضيق

في المقابل، لا يبدو نتنياهو مستعداً للتسليم بخسارة السلطة. فرغم امتلاك معسكره 53 مقعداً فقط، لا يزال قادراً على استثمار التباينات داخل المعارضة، ومحاولة استقطاب أطراف أو نواب، أو الدفع نحو تفاهمات تمنحه فرصة تشكيل حكومة جديدة.

وقد يطرح خيار حكومة الوحدة بوصفه مخرجاً من الانسداد، لكن هذا الخيار يصطدم برفض قوى معارضة استمرار نتنياهو على رأس الحكومة، فضلاً عن أن الخلافات السياسية والقضائية والأمنية تجعل التوصل إلى اتفاق من هذا النوع مهمة شديدة الصعوبة.

ويواجه نتنياهو أيضاً استمرار محاكمته في ملفات الفساد، إلى جانب الجدل المتواصل بشأن الإخفاقات الأمنية والسياسية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ولذلك فإن معركة تشكيل الحكومة لا تتعلق فقط بتوزيع المقاعد، بل بمستقبله السياسي والشخصي، وبقدرته على الحفاظ على موقعه في قيادة الليكود والمعسكر اليميني.

أما الاتهامات التي أثيرت بشأن شبهات تلاعب أو تدخل في الانتخابات، فلا يجوز التعامل معها باعتبارها دليلاً على تزوير النتائج. فقد أكدت رئاسة لجنة الانتخابات المركزية أن العملية جرت بصورة سليمة وأن النتائج تعكس إرادة الناخبين، مع استمرار التحقيقات في بعض الادعاءات المحددة.

رئاسة الكنيست.. معركة موازية

لا تقتصر المواجهة على تشكيل الحكومة، بل تمتد إلى السيطرة على الكنيست ورئاسته ولجانه وجدول أعماله. وفي هذا السياق، تبحث قوى المعارضة دعم يائير لابيد لرئاسة الكنيست بدلاً من أمير أوحانا، في خطوة يمكن أن تمنحها نفوذاً برلمانياً مهماً، حتى قبل حسم هوية الحكومة.

وتكتسب هذه المعركة أهمية لأنها تتيح للمعارضة التأثير في التشريع والرقابة البرلمانية وترتيب الأولويات، كما تمثل اختباراً لقدرتها على تنسيق مواقفها عملياً، لا الاكتفاء بإعلان رفضها استمرار نتنياهو.

ومن المنتظر أن يتسلم الرئيس إسحاق هرتسوغ النتائج الرسمية في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، ثم يبدأ مشاوراته مع الكتل البرلمانية لتكليف المرشح بتشكيل الحكومة. ويملك المكلف 28 يوماً، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يوماً إضافياً. أما الكنيست الجديد فمن المقرر أن يؤدي اليمين في 10 نوفمبر/تشرين الثاني.

ثلاثة سيناريوهات مفتوحة

تبدو أمام إسرائيل ثلاثة مسارات رئيسية: الأول تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت، تعتمد على دعم الأحزاب العربية من الخارج، وربما تفاهمات مع بعض الأحزاب الحريدية. والثاني نجاح نتنياهو في تفكيك تماسك المعارضة واستقطاب أطراف إضافية تتيح له البقاء في الحكم. أما الثالث فهو فشل المفاوضات والذهاب إلى انتخابات جديدة، إذا عجزت الكتل عن بناء أغلبية أو صيغة حكم قابلة للاستمرار.

وقد يبرز خيار حكومة أقلية بدعم خارجي بوصفه مخرجاً من الأزمة، لكنه يظل رهناً بقدرة آيزنكوت على تأمين أغلبية فعلية في التصويت على الثقة، وضمان عدم انهيار حكومته عند أول اختبار سياسي أو أمني.

تغيير الحكومة لا يعني تغيير النهج

بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا تكمن أهمية هذه الانتخابات في اسم رئيس الحكومة المقبل وحده، بل في طبيعة السياسات التي ستتبناها الحكومة تجاه الاحتلال والاستيطان والقدس وقطاع غزة والحقوق الوطنية الفلسطينية. فالمعارضة الإسرائيلية، رغم اختلافها مع نتنياهو، لا تقدم بالضرورة مشروعاً موحداً لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية.

ومن هنا، فإن الرهان على سقوط نتنياهو بوصفه مدخلاً تلقائياً لتغيير السياسة الإسرائيلية قد يكون مبالغاً فيه. فالتغيير في الوجوه والتحالفات لا يضمن تغييراً في جوهر المواقف، ما لم ينعكس على القرارات والممارسات على الأرض.

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة لن يكون في هوية رئيسها أو تركيبتها الحزبية، بل في قدرتها على تغيير السياسات التي تنتج واقع الاحتلال ومصادرة الأرض والتنكر للحقوق الفلسطينية. فإذا بقيت هذه السياسات على حالها، فإن إسرائيل ستكون قد غيّرت حكومتها من دون أن تغيّر نهجها، وأعادت ترتيب موازين السلطة من دون أن تفتح أفقاً سياسياً جديدا.