نشرت في 31 يوليو 2026 11:06 ص
https://khbrpress.ps/post/433303
لا تكمن أهمية الاتفاق المرتقب بشأن قطاع غزة في كونه تفاهمًا جديدًا يُضاف إلى سلسلة الاتفاقات السابقة، بل في أنه قد يشكل نقطة انتقال حقيقية من منطق الحرب المفتوحة وإدارة الكارثة إلى مسار سياسي وأمني يعيد للإنسان الفلسطيني مكانه في مقدمة الأولويات.
فبعد سنوات من القتل والنزوح والدمار، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن ينتصر سياسيًا أو عسكريًا، وإنما بكيفية إنقاذ ما تبقى من قطاع غزة، وإعادة الناس إلى بيوتهم، وفتح المعابر، وبدء الإعمار، ومنع تحويل القطاع إلى منطقة منكوبة تعيش على المساعدات إلى أجل غير معلوم.
الاتفاق الذي يجري بحثه ضمن المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار يتجاوز مفهوم الهدنة المؤقتة. فهو يربط بين وقف العمليات العسكرية، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وتسليم الإدارة المدنية والأمنية إلى لجنة فلسطينية وطنية، وترتيب ملف السلاح، ونشر قوة استقرار دولية، وبدء إعادة الإعمار.
وهنا تكمن أهميته الأولى: الاتفاق يعالج ملفات غزة باعتبارها أجزاءً مترابطة، فلا يمكن مطالبة الفلسطينيين بخطوات أمنية من دون انسحاب إسرائيلي، ولا يمكن الحديث عن نزع السلاح مع استمرار الاغتيالات والقصف، كما لا يمكن تشكيل إدارة جديدة من دون منحها القدرة الفعلية على إدارة المؤسسات، والأمن، والمعابر والإعمار.
صيغة فلسطينية لملف السلاح
يبقى ملف السلاح أكثر بنود الاتفاق حساسية وتعقيدًا. لكن الصيغة المتداولة لا تتحدث عن تسليم السلاح إلى إسرائيل، وإنما عن حصره وتخزينه وتفكيك البنية العسكرية تدريجيًا تحت إشراف اللجنة الوطنية الفلسطينية وآلية رقابة دولية.
وهذا الفارق ليس تفصيلًا شكليًا؛ فالتعامل مع السلاح ضمن إطار فلسطيني وطني يختلف سياسيًا ومعنويًا عن مشهد الاستسلام أو التسليم للاحتلال. كما أن ربط هذه العملية بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الاغتيالات وضمان إعادة الإعمار يجعل الاتفاق قائمًا على التبادلية، لا على تنفيذ طرف واحد لالتزاماته بينما يواصل الطرف الآخر الحرب وفرض الوقائع على الأرض.
وقد لخّص سمير المشهراوي جوهر هذه المسألة بقوله إن السلاح ليس مقدسًا، وإنما المقدس هو دم الشعب الفلسطيني. وهذه رؤية تعيد الأدوات إلى مكانها الطبيعي؛ فالسلاح وُجد لحماية الشعب وقضيته، وليس ليصبح غاية تدفع غزة ثمنها إلى ما لا نهاية.
انتقال من حكم الفصيل إلى إدارة وطنية
الأهمية الثانية للاتفاق تتمثل في نقل غزة من إدارة حزبية منفردة إلى إدارة فلسطينية وطنية تكنوقراطية تتولى الملفات المدنية والأمنية والخدماتية.
هذا التحول، إذا نُفّذ بصورة صحيحة، يمكن أن ينهي جانبًا أساسيًا من الانقسام الفلسطيني، ويمنع تكريس الفصل السياسي والجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية. كما يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على قاعدة «سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد»، وصولًا إلى انتخابات عامة تعيد للشعب حقه في اختيار قيادته وممثليه.
لكن نجاح هذه الإدارة يتطلب ألا تتحول إلى مجرد غطاء فني لإدارة المساعدات، بل يجب أن تمتلك صلاحيات حقيقية، ومرجعية وطنية واضحة، وارتباطًا بالمشروع السياسي الفلسطيني ووحدة الضفة وغزة.
إعادة الإعمار بوصفها حقًا سياسيًا
لا يمكن فصل الاتفاق عن ملف إعادة إعمار القطاع. غزة لا تحتاج فقط إلى الغذاء والدواء والخيام، بل إلى استعادة الحياة: المنازل، والمستشفيات، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء، والاقتصاد وفرص العمل.
لذلك فإن بدء الإعمار ليس مكافأة سياسية لأي طرف، وإنما حق للشعب الفلسطيني وشرط أساسي للاستقرار. كما أن وجود إدارة فلسطينية موحدة وآلية رقابة دولية قد يمنح الدول والمؤسسات المانحة الثقة اللازمة للانتقال من الإغاثة المؤقتة إلى مشاريع إعادة بناء شاملة.
دور محمد دحلان: السياسة التي تعمل بصمت
في هذا السياق برز دور النائب محمد دحلان بوصفه أحد أبرز الفاعلين الفلسطينيين خلف الكواليس. ووفق ما أُعلن، أجرى دحلان اتصالات مباشرة مع جاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف والفريق الأميركي، بالتوازي مع تنسيق مستمر مع رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، بهدف تذليل العقبات وتوفير الضمانات وتقريب وجهات النظر.
أهمية هذا الدور لا ترتبط بمنصب يسعى إليه دحلان داخل إدارة غزة، إذ لا يوجد حتى الآن إعلان عن توليه موقعًا رسميًا فيها، وإنما بقدرته على التحرك بين دوائر يصعب جمعها في قناة واحدة: حماس والفصائل الفلسطينية، ومصر، والإمارات، والإدارة الأميركية، والأطراف الدولية المؤثرة.
لقد مارس دحلان في هذا الملف دور الجسر السياسي، مستفيدًا من علاقاته العربية والدولية ومن معرفته العميقة بقطاع غزة وتركيبته السياسية والأمنية. والنتيجة الأهم ليست تسجيل إنجاز شخصي، وإنما توظيف هذه العلاقات لحماية الفلسطينيين والمساهمة في وقف الحرب وانتزاع ضمانات تحول دون أن يكون التنفيذ من جانب واحد.
ويُحسب لتيار الإصلاح الديمقراطي أنه اختار الانخراط في جهود إنهاء الحرب وتوحيد الموقف الفلسطيني، بدل الاكتفاء بالمراقبة أو توظيف المأساة في الصراع الداخلي. فالقيادة الحقيقية لا تظهر في الشعارات، وإنما في القدرة على فتح الأبواب المغلقة وتحويل العلاقات السياسية إلى نتائج تمس حياة الناس.
الاتفاق ليس نهاية الطريق
رغم أهمية ما تحقق، يجب التعامل مع الاتفاق بحذر وواقعية. إعلان التفاهم لا يعني أن جميع العقبات انتهت، ولا سيما في ظل التحفظات الإسرائيلية والخلاف حول توقيت الانسحاب وآليات نزع السلاح والرقابة الدولية.
الاختبار الحقيقي سيكون في التوقيع النهائي، ووقف العدوان، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ودخول اللجنة الوطنية، وبدء الإعمار، وضمان ألا تتحول المراحل الزمنية إلى وسيلة للمماطلة أو إبقاء أجزاء من القطاع تحت الاحتلال.
كما يجب ألا يسمح الفلسطينيون بتحويل الاتفاق إلى مدخل لفصل غزة عن الضفة، أو إلى بديل عن الحل السياسي وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. إنقاذ غزة ضرورة عاجلة، لكنه يجب أن يكون خطوة على طريق استعادة الوحدة الوطنية وبناء نظام سياسي فلسطيني جديد يستمد شرعيته من الشعب.
الاتفاق المرتقب يمثل فرصة قد لا تتكرر بسهولة. وإذا نجحت الجهود في تحويله من مسودة سياسية إلى واقع على الأرض، فإنه لن يكون انتصارًا لحماس، أو لفتح أو لأي شخص أو تيار بعينه، بل انتصارًا لدماء الفلسطينيين وحقهم في الحياة والكرامة.
وفي اللحظات المصيرية، لا تُقاس القيادة بقدرتها على رفع سقف الخطاب، وإنما بقدرتها على حماية شعبها، ووقف نزيفه، وتحويل الممكن السياسي إلى خطوة تفتح الطريق نحو الحرية والدولة والوحدة الوطنية.