بقلم: سوزان محمد عبد الله

حين حرّك دحلان المياه الراكدة.. وعاد إلى قلب المعادلة الفلسطينية

نشرت في 25 أغسطس 2026 04:25 م

بقلم: سوزان محمد عبد الله

غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434399

لم يتصدّر محمد دحلان عناوين الصحف العربية والإسرائيلية خلال الأيام الماضية لأنه أطلق تصريحًا مثيرًا أو سعى إلى حضور إعلامي عابر، بل لأن تحركاته وضعت اسمه مجددًا في قلب الملفات الأكثر حساسية: وقف الحرب في غزة، مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، الانتخابات المقبلة، وإمكانية بناء تحالف وطني واسع ينهي سنوات طويلة من الانقسام والجمود.

خلال فترة قصيرة، انتقل الحديث عن دحلان من سؤال تقليدي حول عودته إلى حركة فتح، إلى سؤال أكبر وأكثر أهمية: ما الدور الذي يمكن أن يؤديه في إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بأكمله؟

وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما حدث.

العودة من بوابة الفعل

بينما ظلّ كثيرون يراقبون الأحداث أو يكتفون بإصدار البيانات، تحرّك دحلان عبر شبكة واسعة من العلاقات الفلسطينية والعربية والدولية، محاولًا تحويل الاتصالات السياسية إلى نتائج تمسّ حياة الناس، وفي مقدمتها وقف القصف وحماية أبناء قطاع غزة.

لم تكن عودته إلى واجهة الأحداث مرتبطة بمنصب رسمي، ولم يحتج إلى قرار يمنحه دورًا سياسيًا؛ فقد فرض حضوره من خلال قدرته على الحركة والوصول إلى الأطراف المؤثرة، والتحدث مع قوى متباعدة، وفتح أبواب ظنّ البعض أنها أُغلقت إلى الأبد.

فالقيادة الحقيقية لا يصنعها الكرسي وحده، بل تصنعها القدرة على المبادرة عندما يتردد الآخرون، وعلى الحضور عندما يغيب أصحاب المسؤولية، وعلى تحويل العلاقات السياسية إلى أدوات لخدمة الناس لا إلى امتيازات شخصية.

جسر بين أطراف متباعدة

أبرز ما كشفته التطورات الأخيرة هو قدرة دحلان على التواصل مع أطراف فلسطينية وإقليمية ودولية يصعب جمعها حول طاولة واحدة.

فالرجل الذي حاول خصومه اختزاله لسنوات في خلاف داخلي داخل حركة فتح، يظهر اليوم بوصفه جسرًا محتملًا بين حماس وقوى فتحاوية وفصائل فلسطينية أخرى، إلى جانب امتلاكه علاقات مؤثرة مع مصر ودول عربية ودوائر أميركية فاعلة.

هذه القدرة لا تعني أن جميع الخلافات انتهت، ولا أن التحالفات أصبحت أمرًا محسومًا، لكنها تعني أن هناك من استطاع أخيرًا كسر جدار الصمت وتحريك المياه الراكدة وفتح نقاش جدي حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

وهذا وحده إنجاز مهم في واقعٍ اعتاد فيه الفلسطينيون سماع خطاب الوحدة، من دون أن يشاهدوا خطوات حقيقية نحوها.

لماذا يخشون هذا التحرك؟

القلق الذي ظهر في بعض الأوساط الفلسطينية والإسرائيلية لا يتعلق باسم محمد دحلان وحده، بل بحجم المشروع الذي يمكن أن يتشكل حوله.

فإذا نجحت الجهود في بناء تحالف وطني واسع يضم قوى وفصائل وشخصيات مستقلة، فإن الفلسطينيين قد يجدون أنفسهم أمام معادلة سياسية مختلفة، لا تقوم على احتكار القرار ولا على إدارة الانقسام، وإنما على الشراكة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

من استفادوا من استمرار الوضع القائم يدركون أن أي تحالف واسع قادر على إعادة القرار إلى الشعب يشكّل تهديدًا مباشرًا لمصالحهم. ولهذا يحاولون تقديم التحرك وكأنه مجرد صفقة انتخابية، بينما هو في حقيقته تعبير عن حاجة فلسطينية متراكمة إلى بديل سياسي قادر على تجاوز سنوات العجز والانقسام.

المشكلة بالنسبة إليهم ليست في التحالف ذاته، بل في حجمه المحتمل وما يمثله من قدرة على إنهاء احتكار السلطة وكسر الحلقة المغلقة التي تحكم المشهد الفلسطيني منذ سنوات.

فلسطين أكبر من الخلافات

ما يميز خطاب دحلان وتحركاته في هذه المرحلة هو تقديم الأولويات الوطنية على الحسابات الشخصية والتنظيمية. فغزة المدمرة لا تحتاج إلى مزيد من الخلافات، والضفة الغربية التي تواجه الاستيطان والاقتحامات لا تحتمل استمرار الانقسام، والقدس لا يمكن الدفاع عنها بمؤسسات ضعيفة وقرار سياسي محتكر.

المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج النظام القديم بأسماء جديدة، بل بناء شراكة وطنية تعيد الاعتبار إلى الشعب الفلسطيني، وتمنحه حق اختيار ممثليه وقيادته ومستقبله.

ودحلان، من خلال تحركاته الأخيرة، لم يطرح نفسه بديلًا عن الشعب، بل ساهم في إعادة الشعب وصناديق الاقتراع إلى مركز النقاش السياسي.

وهذا هو الفارق بين من يريد امتلاك القرار، ومن يسعى إلى إعادته إلى أصحابه.

من الحضور الإعلامي إلى صناعة الحدث

يمكن لأي سياسي أن يظهر في وسائل الإعلام، لكن القليلين فقط يستطيعون فرض أسمائهم على عناوين الصحف المتباينة في توجهاتها ومصالحها.

لقد تكرّر اسم محمد دحلان في الإعلام العربي والإسرائيلي لأن تحركاته أصبحت جزءًا من كل سيناريو مطروح لمستقبل غزة والانتخابات وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. بعض الأطراف تنظر إليه بأمل، وأخرى تراقبه بحذر، فيما يخشاه المستفيدون من الجمود؛ لكن الجميع أصبح مضطرًا إلى التعامل مع حقيقة واحدة: لا يمكن تجاهل دوره في المرحلة المقبلة.

إن تصدّر دحلان للعناوين ليس نتيجة حملة إعلامية، بل انعكاس لفراغ سياسي كبير استطاع أن يتحرك داخله، ولعلاقات حافظ عليها وحوّلها في اللحظة المناسبة إلى قوة سياسية يمكن توظيفها لحماية غزة وإعادة بناء الوحدة الوطنية.

محمد دحلان حرّك المياه الراكدة، وكسر حالة الانتظار، وأعاد إلى السياسة الفلسطينية شيئًا افتقدته طويلًا: المبادرة.

وما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد عودة رجل إلى المشهد، بل بداية عودة خيار وطني يؤمن بأن فلسطين أكبر من الفصيل، وأن الوحدة أقوى من الإقصاء، وأن الشعب الفلسطيني — لا أصحاب المصالح والمناصب — هو صاحب الكلمة الأخيرة.