نشرت في 21 مارس 2026 10:57 ص
https://khbrpress.ps/post/428095
اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي رحمه الله،
وتصفية القيادة العسكرية العليا معه في الضربة الافتتاحية الأولى للحرب، ومن ثم
صعود مجلس قيادة مؤقتة بقيادة الدكتور علي لاريجاني
ثم اغتياله بعد فترة قصيرة مع شخصيات أمنية وسياسية
هذا السيناريو يمثل أقصى تطبيق عملي لاستراتيجية “قطع الرأس”(Decapitation Strategy).
التي تقوم على استهداف القيادة العليا باعتبارها “مركز الثقل” (كارل فون كلاوزفيتز)، وطوّرها حديثًا جون واردن الثالث باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية للدولة. إلا أن الدراسات الحديثة، مثل أعمال جينا جوردان، تؤكد أن تأثيرها محدود في الأنظمة المؤدلجة والمؤسساتية، كما يظهر بوضوح في التجربة الإيرانية.
واذا ما ربطنا بين التركيز الإسرائيلي والأمريكي على استمرار عمليات اغتيال قيادات النظام الايراني، مع الهدف الرئيس لهذه الحرب وهو إسقاط النظام، أو على الأقل تهيئة الظروف لاسقاطه كما صرح بذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة.
ندرك أن إسرائيل وامريكا تستخدم الاغتيالات كسلاح حرب نفسية متعددة الاتجاهات، لذا سياسة الاغتيالات لا تقتصر على تحقيق أهداف عسكرية مباشرة، بل تمثل أداة مركزية في الحرب النفسية التي تستهدف ثلاث دوائر متزامنة:
الداخل الإيراني، والمعارضة، والجبهة الداخلية لدى الإسرائيلي والأمريكي .
1. ضرب الروح المعنوية داخل إيران
توالي استهداف القيادات العليا—خصوصًا في فترات زمنية قصيرة—يهدف إلى خلق شعور عام بأن:
الدولة مخترقة أمنيًا، القيادة غير قادرة على حماية نفسها، والأهم أن النظام يفقد السيطرة تدريجيًا.
في زمن الحرب، هذا التأثير لا يقل أهمية عن الضربات العسكرية، إذ يمكن أن يؤدي إلى:
أ. تآكل الثقة الشعبية.
ب. انتشار القلق وعدم اليقين.
ج. إضعاف التماسك الداخلي.
2. تحفيز المعارضة الإيرانية وخلق “لحظة فرصة”
الاغتيالات المتتالية قد تُفسَّر داخل أوساط المعارضة على أنها:
أ. بداية تفكك النظام.
ب. فرصة تاريخية للتغيير.
وهنا يظهر هدف غير مباشر لكنه بالغ الأهمية:
دفع الفاعلين الداخليين إلى التحرك بدل الاكتفاء بالمراقبة
بمعنى آخر، الاغتيال لا يُسقط النظام بحد ذاته، لكنه قد:
يخلق بيئة نفسية وسياسية مواتية لمحاولة إسقاطه.لكن هذا التأثير يظل مشروطًا بوجود معارضة منظمة وقادرة، وهو ما لا يتوفر بالكامل.
3. إدارة صورة النصر لدى إسرائيل والولايات المتحدة
في المقابل، تلعب الاغتيالات دورًا مركزياً في إدارة الجبهة الداخلية لدى إسرائيل والولايات المتحدة، خاصة في حال، إطالة أمد الحرب أكثر من المتوقع، واستمرار تعرض الجبهة الداخلية الاسرائيلية لهجمات صاروخية، ووزيادة تأثير إغلاق مضيق هرمز وضرب القواعد الأمريكية في المنطقة.
في هذه الحالة، تصبح الاغتيالات وسيلة لـ:
أ. تقديم “إنجازات ملموسة” للرأي العام.
ب. إثبات أن الحرب تسير في الاتجاه الصحيح.
ج. الحفاظ على الدعم السياسي والعسكري من الداخل الامريكي والاسرائيلي.
ويمكن فهم ذلك ضمن ما يُعرف بـ:
“اقتصاد الإنجاز في الحروب الطويلة”
حيث تحتاج الحكومات إلى نتائج دورية للحفاظ على الشرعية الداخلية.
بالمجمل الاغتيالات هنا تتحول من مجرد أداة أمنية إلى، وسيلة لتفكيك معنويات الخصم، أداة لتحفيز ديناميكيات داخلية ضده، وأداة لرفع معنويات الجبهة الداخلية للطرف المنفذ.
الاغتيالات نجاح تكتيكي لإسرائيل وأمريكا بلا أدنى شك، و يحدث: تأثير عسكري ، ضغط سياسي، وصدمة نفسية، لكن النتيجة النهائية تعتمد على عامل أساسي:
“مرونة النظام المستهدف، وقابليته للانهيار، فإسقاط قائد واحد لا يؤدي لاسقاط النظام، وحتى اغتيال عدة قيادات أيضا لا يؤدي إلى انهيار الدولة،
لماذا؟
أولا. الأنظمة المؤدلجة مثل النظام الايراني ليس مجرد قيادة فردية ممثلة في المرشد الأعلى للثورة الإسلامية،
بل هو منظومة معقدة ومركبة ومتعددة المستويات تشمل:
رئاسة الجمهورية،الحرس الثوري، مجلس الخبراء، المؤسسات الدينية
أجهزة أمنية متعددة، وكل ذلك ضمن شبكة ولاء أيديولوجي وديني لمباديء الثورة الاسلامية، هذه البنية مصممة للصمود، ولتفادي أي مفاجآت، النظام يمتلك آليات دستورية واضحة لاختيار القيادات البديلة، الأمر الذي تم تنفيذه من خلال تعيين مجلس قيادة مؤقت، حتى تم اختيار السيد مجتبى الخامنئي مرشدا أعلى جديدا، بمعنى لا مجال للفراغ، الذي يؤثر على تماسك النظام والدولة وإدارة الحرب.
ثانياً. البعد الأيديولوجي وإعادة إنتاج الشرعية.
لا يمكن فهم محدودية تأثير الاغتيالات في الحالة الإيرانية دون التوقف عند البعد الأيديولوجي للنظام، الذي يشكل أحد أهم مصادر تماسكه واستمراريته.
يقوم النظام الإيراني على مزيج من الشرعية الدينية–الثورية، حيث تتداخل مفاهيم الدولة مع العقيدة، وهو ما يمنحه قدرة أعلى على امتصاص الصدمات مقارنة بالأنظمة ذات الطابع البيروقراطي البحت. فوجود مرجعية دينية عليا، مثل المرشد الأعلى، لا يمثل فقط قيادة سياسية، بل امتدادًا لسلطة رمزية ذات طابع عقائدي.
في هذا السياق، لا تُنتج الاغتيالات فراغًا، بل تُنتج رموزًا. فالشخصيات التي يتم استهدافها—خصوصًا تلك التي تحمل صفة دينية أو ثورية—تتحول سريعًا إلى “شهداء” في الخطاب الرسمي، وهو توصيف ذو حمولة معنوية عالية في الثقافة السياسية الإيرانية.
وتبرز هنا خصوصية المذهب الشيعي، الذي يمنح مفهوم الشهادة مكانة مركزية، مستلهمًا من أحداث تاريخية مؤسسة مثل واقعة كربلاء المرتبطة بشخصية سيدنا الحسين بن علي عليه السلام. هذه الرمزية تُعيد تأطير الاغتيال ليس كخسارة، بل كفعل تضحية يُعزز الشرعية ويُغذي الاستمرار.
وبالتالي، فإن اغتيال القيادات قد يؤدي—بشكل عكسي—إلى:
أ. تعزيز التماسك الداخلي بدل تفكيكه.
ب. رفع منسوب التعبئة الشعبية.
ج.إنتاج سردية مقاومة تعزز شرعية النظام.
هذا البعد يفسر لماذا قد تتحول الضربات التي تستهدف “الرأس” إلى عامل يعيد إنتاج القوة الرمزية لشرعية النظام، بدل أن يؤدي إلى انهياره.
لذا في الأنظمة المؤدلجة مثل النظام الايراني، لا يُقاس أثر الاغتيال بنوعية وعدد من سقطوا، بل بقدرة النظام على تحويلهم إلى رموز—وهنا تتحول الخسارة إلى أداة تعبئة لصالح تماسك النظام والالتفاف الشعبي حوله.
في المحصلة، تُظهر استراتيجية الاغتيالات أنها أداة فعّالة تكتيكيًا، لكنها محدودة الأثر استراتيجيًا، خاصة عند مواجهة أنظمة مؤدلجة مثل النظام الإيراني تمتلك بنية مؤسسية متماسكة وقدرة عالية على إعادة إنتاج الشرعية. وخاصة مع عدم وجود معارضة داخلية جاهزة تنظيمي وسياسيا لتكون البديل، فبينما قد تُحدث الاغتيالات صدمة نفسية وتحقق مكاسب آنية، فإنها لا تضمن إسقاط النظام، بل قد تسهم أحيانًا في تعزيز تماسكه وإعادة تعبئته. وتصدير قيادات جديدة أكثر تشددا من سابقيها. وعليه، تبقى النتيجة النهائية رهينة بمدى قابلية النظام للاستنزاف والانهيار، لا بعدد القيادات التي يتم استهدافها.