نشرت في 20 أكتوبر 2026 10:04 م
https://khbrpress.ps/post/436816
في الشرق الأوسط، لا تقف الأحداث عند حدود الجغرافيا، ولا تبقى الحروب محصورة في ساحاتها الأولى. فكل تصعيد يحمل في طياته احتمالات تتجاوز الميدان، وكل أزمة سياسية تترك آثارها في حياة الشعوب، من أمنها واستقرارها إلى اقتصادها ومستقبل أجيالها.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، وتجدد المخاوف من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار الأزمات الإنسانية والأمنية في غزة ولبنان واليمن، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والاقتصادية، بينما يبقى الإنسان الحلقة الأكثر تعرضًا للخسارة.
حروب تتجاوز حدودها:
لم يعد من الممكن النظر إلى ما يجري في الشرق الأوسط باعتباره مجموعة أزمات منفصلة. فالتطورات في ساحة واحدة قد تنعكس على ساحات أخرى، سواء عبر الحسابات الأمنية، أو التحالفات السياسية، أو طرق التجارة والطاقة، أو موجات القلق التي تنتقل من دولة إلى أخرى.
وتكشف التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران حجم المخاطر التي قد تترتب على عودة المواجهة العسكرية، خصوصًا في منطقة ترتبط فيها المصالح الدولية ارتباطًا وثيقًا بأمن الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية.
لكن السؤال الأهم ليس فقط ما الذي يمكن أن يحدث عسكريًا، بل ما الذي ستتركه أي مواجهة جديدة خلفها؟ وكم ستحتاج المجتمعات من الوقت والموارد حتى تتعافى من آثارها؟
فالتجارب أثبتت أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة؛ إذ تبدأ بعد ذلك تحديات إعادة الإعمار، واستعادة الثقة، وترميم العلاقات الاجتماعية، ومعالجة الخسائر الاقتصادية والنفسية التي تصيب الأفراد والمجتمعات.
الإنسان الذي يغيب عن حسابات القوة
في غزة، لا تزال المعاناة الإنسانية تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، فيما يواجه الفلسطينيون احتياجات متزايدة تتعلق بالغذاء والمأوى والرعاية الصحية وإعادة بناء ما دمرته الحرب. وفي لبنان، تتقاطع المخاوف الأمنية مع أعباء اقتصادية ومعيشية ثقيلة، بينما تثير التطورات في اليمن مخاوف إضافية من اتساع دائرة المواجهة وانعكاساتها على أمن المنطقة.
وخلف العناوين السياسية والعسكرية، هناك عائلات تنتظر الأمان، وأطفال يحتاجون إلى التعليم، ومرضى يبحثون عن العلاج، وشعوب تتطلع إلى حياة طبيعية لا تتحكم فيها أخبار القصف والتهديدات.
وهنا تبرز ضرورة إعادة الإنسان إلى مركز النقاش السياسي والإعلامي؛ لأن أمن الدول لا يُقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل أيضًا بقدرتها على حماية مجتمعاتها، وصون كرامة مواطنيها، وتوفير مقومات الحياة والاستقرار لهم.
فما قيمة أي مكسب سياسي إذا كان ثمنه مزيدًا من المعاناة الإنسانية؟ وما جدوى الانتصارات المعلنة إذا بقيت المجتمعات عاجزة عن استعادة حياتها؟
الشرق الأوسط بين منطق التصعيد وفرص التهدئة:
لا يمكن تجاهل تعقيدات المصالح الإقليمية والدولية، ولا الخلافات العميقة بين أطراف الصراع. لكن إدراك هذه التعقيدات لا ينبغي أن يحوّل الحرب إلى خيار طبيعي، أو يجعل التصعيد قدرًا لا يمكن تجنبه.
فالدبلوماسية ليست علامة ضعف، والحوار لا يعني التنازل عن الحقوق، كما أن البحث عن التسويات لا يلغي ضرورة معالجة أسباب النزاعات بصورة جدية ومستدامة.
وتحتاج المنطقة اليوم إلى جهود سياسية تضع منع اتساع المواجهات في مقدمة الأولويات، وتدعم المسارات الدبلوماسية، وتحمي المدنيين، وتحترم سيادة الدول، وتبحث عن حلول لا تؤجل الأزمات لتنفجر من جديد في وقت لاحق.
كما أن المسؤولية لا تقع على القوى الدولية وحدها؛ إذ تحتاج المنطقة إلى تعاون عربي أكثر فاعلية، يقوم على إدراك المصالح المشتركة، وتغليب الاستقرار على الحسابات الضيقة، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والإنسانية التي تمنح الشعوب أسبابًا إضافية للتمسك بالسلام.
سوريا في قلب معادلة الاستقرار:
بالنسبة إلى سوريا، فإن استقرار الشرق الأوسط ليس مسألة بعيدة عن واقعها، بل يرتبط مباشرة بأمنها ومستقبلها وفرص التعافي وإعادة البناء، فالدولة التي تسعى إلى استعادة عافيتها تحتاج إلى بيئة إقليمية تساعدها على تثبيت الاستقرار، وتوسيع فرص التعاون الاقتصادي، وتعزيز العلاقات مع محيطها العربي، بعيدًا عن مخاطر انتقال الصراعات أو اتساع دوائر التوتر.
ومن هنا، تبرز أهمية حماية السلم الأهلي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ ثقافة المسؤولية في الخطاب العام. فالتحديات الخارجية، مهما بلغت حدتها، لا تعفي المجتمعات من مسؤوليتها في حماية وحدتها، كما أن بناء الثقة بين المواطنين يشكل جزءًا أساسيًا من بناء الدولة واستقرارها.
إن قوة المجتمع لا تظهر في غياب الاختلاف، بل في قدرته على إدارة اختلافاته دون أن تتحول إلى أسباب للانقسام أو الصدام، وتحتاج سوريا، كما تحتاج سائر دول المنطقة، إلى أن تكون المصالح المشتركة والتعاون والتنمية جزءًا من معادلة المستقبل، لا أن تبقى أسيرة تداعيات الأزمات المتلاحقة.
الإعلام بين نقل الحقيقة وصناعة الخوف:
في أوقات التوتر، يصبح الإعلام أمام اختبار حقيقي يتجاوز سرعة نقل الخبر إلى مسؤولية التعامل معه.
فالمعلومة غير الدقيقة قد تتحول إلى مصدر للذعر، والشائعة قد تزيد الاحتقان، والعنوان المبالغ فيه قد يساهم في تشكيل تصورات لا تستند إلى الوقائع. وفي المقابل، يستطيع الإعلام المهني أن يحد من انتشار التضليل، ويمنح الجمهور فهمًا أعمق للأحداث، ويفصل بين الخبر المؤكد والتحليل والتوقع.
ولا يعني ذلك تجاهل المخاطر أو تجميل الواقع، بل نقل الحقيقة كما هي، دون تهويل أو تضليل أو استغلال لمعاناة الناس.
كما تقع على عاتق مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية لا تقل أهمية؛ فمشاركة الأخبار دون التحقق منها ليست فعلًا محايدًا دائمًا، وقد تكون لها نتائج حقيقية في حياة الآخرين.
وفي زمن تتسارع فيه المعلومات وتتداخل فيه الوقائع مع الحملات الدعائية، تصبح المهنية والوعي النقدي والتحقق من المصادر أدوات أساسية لحماية المجتمع من الخوف المصطنع والانقسام.
أي مستقبل نريد للمنطقة؟
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من السنوات التي تستنزف فيها الحروب موارده، وتتراجع فيها فرص التنمية، ويكبر فيها جيل جديد وهو يعتقد أن عدم الاستقرار هو القاعدة.
ما تحتاج إليه المنطقة هو الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى معالجة أسبابها، ومن سباق التهديدات إلى بناء تفاهمات قابلة للاستمرار، ومن توظيف معاناة الشعوب في الصراعات السياسية إلى جعل أمن الإنسان وكرامته معيارًا لأي تسوية.
ولا يمكن بناء هذا المستقبل بالشعارات وحدها؛ بل يحتاج إلى قرارات مسؤولة، ومؤسسات فاعلة، وتعاون إقليمي، وإرادة سياسية تدرك أن كلفة الحرب لا يتحملها طرف واحد، وأن آثارها قد تمتد سنوات طويلة بعد توقف المعارك.
قد تختلف الدول في مصالحها، وتتباين مواقفها، لكن هناك حقيقة ينبغي ألا تغيب: لا يمكن لمنطقة أنهكتها الصراعات أن تحقق استقرارًا دائمًا إذا ظل كل طرف ينظر إلى أمنه بمعزل عن أمن الآخرين.
فالشرق الأوسط لا يقف اليوم أمام سؤال من يملك القوة فحسب، بل أمام سؤال أكثر أهمية: من يمتلك الحكمة الكافية لمنع القوة من التحول إلى خسارة جديدة للجميع؟
إن مستقبل المنطقة لن تصنعه الأسلحة وحدها، بل ستسهم في تشكيله أيضًا القرارات السياسية، ووعي المجتمعات، ومسؤولية الإعلام، والقدرة على تقديم الإنسان على حسابات الصراع.
وفي نهاية المطاف، ليست قيمة السلام في أنه يوقف إطلاق النار فقط، بل في أنه يمنح الشعوب فرصة حقيقية لتعيش، وتتعلم، وتعمل، وتحلم بمستقبل لا تكون فيه الحرب عنوانًا دائمًا لحياتها.