نشرت في 02 سبتمبر 2026 08:12 م
https://khbrpress.ps/post/434730
في أزقةٍ يلفُّها الركام، وتحت سماءٍ لا تتوقف عن صبّ جحيمها، تتجسد المأساة الإنسانية بأبشع صورها في جسدين صغيرين لم يبلغا بعد ربيع العمر. "فارس السدودي" ذو العامين، وأميرة ذات السنوات الخمس؛ شقيقان يصارعان في غزة أوجاعاً تتجاوز طاقة البشر، محاصرين بين تشوهات خلقية نادرة، وانهيار كامل للمنظومة الصحية، وجدران حصارٍ صماء ترفض فتح نافذة أملٍ لنشوة الحياة.

ولادة في أحضان الألم
لم تكن حكاية الشقيقين مجرد مرض عابر، بل صراعٌ يبدأ مع كل شهيق وزفير. ولد الطفل "فارس" بشفة أرنبية وشقّ في سقف الحلق، خضع على إثرها لعمليتين جراحيتين قبل اندلاع الحرب، لكنهما باءتا بالفشل. وبسبب انعدام الإمكانيات الجراحية المتقدمة في مستشفيات غزة المُحاصرة، صدر له تحويل طبّي للخارج (نموذج رقم 1) للبدء في رحلة ترميم جراحي معقدة، غير أن الحصار المحكم كان أسرع من خطى العلاج، ليبقى الصغير يغصّ بلقمته، يفقد وزنه بجفافٍ قاطر، ويقف في عامه الثالث عاجزاً حتى عن النطق بكلمة "أمي".
أما "أميرة"، فقصتها فصلٌ آخر من الفجيعة؛ إذ ولدت بتشوهات معقدة شملت أمعاءها ومثانتها، إضافة إلى وجود الكليتين في جهة واحدة، وارتجاع بولي حاد من الدرجة الثالثة. خضعت لعملية قلب مفتوح ولم تتجاوز بعدُ يومها الحادي والعشرين من العمر. تعيش اليوم بفتحة أسفل الظهر تضعف قدرتها الحركية وتفقدها التحكم الجسدي، فيما ينهك جسدها "ناصور مهبلي" يسبب التهابات مستمرة ونوبات ألمٍ تضطرها للتردد الدائم على أقسام الطوارئ المتهالكة.
شبح "الصلب المفتوح" وغياب التشخيص
ويرجح الأطباء إصابة الطفلين بمرض "الصلب المفتوح" (Spina Bifida) والمتلازمات النادرة، إلا أن غزة اليوم تخلو تماماً من أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لتأكيد التشخيص، مما يجعل علاجهم أشبه بضربٍ من التكهن وسط بيئة تفتقر لأدنى مقومات الرعاية الصحية الأساسية.
نزوح تحت القصف وصدمة الرفض
ولم تكتَفِ الأقدار بتلك الأوجاع الجسدية؛ إذ قُصف منزل العائلة ودُمِّر بالكامل، لتجد الأسرة نفسها تحت خيمة نزوح مؤقتة بين أنقاض البنايات. ومع صدور أوامر الإخلاء القسري وتدهور الأوضاع الميدانية، تفاقمت المأساة حين رفضت السلطات الإسرائيلية منح الوالدين تصاريح لمرافقة طفليهما للعلاج في الخارج، متجاهلةً أن استئصال الأطفال عن حضن أمهم وأبيهم في رحلة علاجية خطرة يمثل حكماً إضافياً بالإعدام النفسي والجسدي.
صرخة أم.. وأمل مصلوب
بنبرةٍ يملؤها القهر والتوسل، تختصر الأم المكلومة كل هذا الوجع بكلماتٍ بسيطة ذات معنى كبير: "أنا أم فارس وأميرة.. كل ما أتمناه أن يسافرا للعلاج في الخارج، أن أراهما يكبران كباقي الأطفال.. يركضون، يلعبون، ويحيون بكرامة دون هذا العذاب المستمر."
يبقى أن نؤكد أن هذه العائلة تقف اليوم أمام نافذة أمل تضيق يوماً بعد يوم، إنها ليست مجرد أرقام في قائمة ضحايا الحرب، بل أرواح بريئة تنبض بالرجاء، وتستغيث بالضمير العالمي قبل أن يبتلع الردمُ والوجع ما تبقى من أنفاس صغارها.
#شاهد: فارس وأميرة والمرض النادر.. أجساد غَضّة تطارد حق الحياة في قطاعٍ يحترق#GazaGenocide pic.twitter.com/4fUVNEBkNj


