بقلم: د. إياد رابعة

حين تلد الحرب والفوضى مشاهيرها

نشرت في 25 أغسطس 2026 10:32 ص

بقلم: د. إياد رابعة

غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434385

ليست مخلفات الحرب ركاماً من حجارة، ولا بيوتا مهدّمة، ولا شوارع فقدت ملامحها فقط. فالحرب تترك وراءها مخلفات أخرى أقل وضوحاً، لكنها أشد تأثيراً في المجتمع؛ من بينها بروز أشخاص وشرائح ما كان لها أن تتصدر المشهد لولا الفوضى التي خَلفتها الحرب.

في أجواء الاضطراب، تتغير معايير الحضور والظهور. فيبرز المهابيل والمخاليل، ويتقدم أصحاب الصوت العالي، ويظهر من يسمّون أنفسهم مبادرين، ويتحول بعضهم إلى مشاهير بين ليلة وضحاها. أما الكذابون، فيجدون في الفوضى بيئة مثالية لتمرير رواياتهم وتضخيم أدوارهم وصناعة صورة لا علاقة لها بالحقيقة.

المشكلة ليست في أن يظهر أشخاص جدد، ولا في أن يبادر أحد لخدمة مجتمعه؛ فالمجتمعات تحتاج إلى المبادرة والعمل. المشكلة حين تتحول الفوضى إلى فرصة للانتهازي، والشهرة إلى غاية، والكذب إلى وسيلة، ويصبح معيار النجاح هو مقدار الضجيج الذي يصنعه الشخص لا مقدار ما يقدمه.

الحرب تغيّر الكثير من الأشياء، وتعيد ترتيب مواقع الناس وموازين القوة والتأثير. وبعد أن تهدأ أصوات القصف، يبقى المجتمع أمام معركة أخرى: كيف يستعيد معاييره، وكيف يميز بين من عمل بصمت ومن صنع لنفسه بطولة، وبين من خدم الناس فعلا ومن استثمر في معاناتهم ليصنع لنفسه اسماً.

لذلك، فإن إعادة بناء المجتمع لا تعني إعمار البيوت والطرقات فقط، بل تعني أيضا إعادة الاعتبار للقيمة الحقيقية  للعمل بدل الاستعراض، وللصدق بدل الادعاء، وللكفاءة بدل الضجيج، ولمن خدم الناس فعلا بدل من جعل من الحرب منصة لشهرته.