نشرت في 12 سبتمبر 2026 10:50 م
https://khbrpress.ps/post/435151
كتب: وليد العوض
خلال الأسبوع الماضي، اشتعلت صفحات التواصل الاجتماعي، وتكاثرت رسائل الاحتجاج من نشطاء في قطاع غزة، رفضاً لحرمان أبناء القطاع من حق الانتفاع ببعض المستحقات والخدمات، سواء ما يتعلق بتطبيق «يبوس»، أو بحق أبناء الموظفين في سداد أقساطهم الجامعية من مستحقات ذويهم.
وليس هذا الشعور بالغصة جديداً على أبناء قطاع غزة. فقد سبق أن مرّوا بالتقاعد المبكر، والتقاعد المالي، ونصف الراتب، وما لحق بموظفي عام 2005 من إجحاف، فضلاً عن حرمانهم من حقوق وخدمات عديدة، حتى لمن يقيم منهم في المحافظات الشمالية، لمجرد أنهم من مواليد قطاع غزة.
المسألة هنا ليست مجرد فروق في إجراء أو قرار مالي؛ إنها تمس شعور الإنسان بالعدالة والمساواة، وتفتح جرحاً لا يجوز أن يبقى مفتوحاً في جسد شعب واحد.
وأقول ذلك أيضاً من تجربة شخصية.
أنا من مواليد مخيمات لبنان، وعدت إلى أرض الوطن عام 1996 عبر أريحا. وكان ذلك سبباً في أن أحمل أنا وأسرتي هوية تحمل عنوان أريحا، شأننا شأن أعداد كبيرة من أبناء شعبنا الذين جاءت عناوين هوياتهم نتيجة ظروف العودة والإقامة، لا نتيجة اختيار.
وعلى مدى ما يقارب ثلاثين عاماً عشتها في قطاع غزة، لم أشعر يوماً بأنني أقل فلسطينية لأنني من مواليد مخيمات لبنان، أو أن أبناء غزة ينظرون إليّ باعتباري من خارجهم. في غزة كنت وما زلت أشعر ببساطة أنني فلسطيني، وهذا بالضبط ما أحببني فيها.
لذلك، فإن ما يجري اليوم يوجعني، ليس فقط لأنه يمس من يعيش في غزة، وإنما لأنه يهدد معنىً فلسطينياً أصيلاً عشته بنفسي: أن الفلسطيني فلسطيني، أينما ولد، وأينما أقام، وأياً كان عنوان هويته.
ومن المهم هنا أن نقول بوضوح: المشكلة ليست مع أهلنا في الضفة الغربية، ولا مع شعبنا هناك، الذي يرفض بكل تأكيد التمييز بين أبناء الوطن الواحد. فالتمييز حين يحدث هو تمييز رسمي وسياسي نخر في جسد الحالة الفلسطينية، وتسرب إلى الفصائل والأحزاب، وامتد إلى بعض المؤسسات، وليس موقفاً شعبياً بين أبناء الشعب الواحد.
بل إن كثيراً من أبناء الضفة يشعرون هم أيضاً بأن استمرار هذه السياسات يضر بوحدة شعبنا، ويعمّق الانقسام، ويحوّل الحقوق من حقوق مواطنة إلى امتيازات مرتبطة بالمكان والظرف السياسي.
لقد دفع أبناء غزة ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، وتحولوا إلى خزان للتضحيات، ولا يجوز أن يراد لهم اليوم أن يتحولوا إلى صندوق للانتخابات؛ يُستدعى حين تكون هناك حاجة إلى الأصوات، ويُنسى حين يتعلق الأمر بالحقوق والاستحقاقات.
لا يجوز أن تتحول تضحيات غزة إلى رصيد سياسي، ثم يُنظر إلى أهلها باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية. فمن دفع الثمن، وقدم الشهداء والجرحى، وتحمل الحصار والدمار والتهجير، يستحق أن يكون شريكاً كاملاً في الحقوق والقرار والمستقبل، لا مجرد خزان للتضحيات وصندوق للانتخابات.
لا نريد فلسطين مقسمة في الحقوق كما هي مقسمة في الجغرافيا، ولا نريد أن يصبح عنوان الهوية أقوى من صفة المواطن، أو أن تتحول الانقسامات السياسية إلى قواعد تمييز في التعامل مع الناس.
إن أبناء شعبنا في غزة والضفة والقدس والشتات شعب واحد، وحقوقهم لا تتجزأ، وكرامتهم لا تتجزأ.
كفى حرماناً وتمييزاً. فالعدالة لا تُجزّأ، والحقوق لا تُوزّع حسب مكان الميلاد أو الإقامة، وفلسطين التي نريدها يجب أن يشعر فيها كل فلسطيني أنه مواطن كامل الحقوق، أينما كان.