بقلم: مناضل حنني

سموتريتش وجنين: تصريحات انتخابية أم واقع قادم؟

نشرت في 30 سبتمبر 2026 11:32 م

بقلم: مناضل حنني

رام الله - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/435930

بقلم : مناضل حننى.

بدون شك تُعد تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن الضفة الغربية قابلة للقراءة باعتبارها مجرد عبارات انتخابية عابرة. صحيح أن توقيتها جاء في سياق سياسي إسرائيلي داخلي، لكن ربطها بانتخابات مقررة في 27 أكتوبر- 2026 يقدّم واقعة مستقبلية بوصفها مؤكدة، أما الثابت في التصريحات لسموتريتش، فهي دعوته إلى توسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، وإلى تطبيق نموذج مشابه لما جرى في قطاع غزة، إلى جانب حديثه عن إضعاف السلطة الفلسطينية أو تفكيكها. غير أن توقيت هذه التصريحات، وسياقها الانتخابي، يحتاجان إلى تحديد دقيق وفق تاريخ النشر والمصدر الأصلي، بدل افتراض ارتباطهما بانتخابات مستقبلية.

وهنا تكمن أهمية جنين في قراءة كلام سموتريتش.

جنين ليست مجرد عنوان انتخابي، إذا كان الهدف من تصريحات سموتريتش استقطاب الناخب الإسرائيلي، فإن الحديث عن «الحرب» في الضفة وتفكيك السلطة ينسجم مع خطاب اليمين الإسرائيلي الذي يربط الأمن بالتوسع العسكري والاستيطاني ورفض قيام دولة فلسطينية ، لكن المشكلة التحليلية تبدأ عندما نلاحظ أن هذا الخطاب يترافق مع إجراءات فعلية.

فقد شهد شمال الضفة الغربية، ولا سيما مخيم جنين ومناطق أخرى، عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة خلال عام 2025، ترافقت مع دمار ونزوح وقيود على الحركة والعودة. كما شهدت مناطق في شمال الضفة عمليات عسكرية متكررة خلال السنوات الأخيرة، ما جعل جنين رمزًا لمواجهة مسلحة وسياسة أمنية تتجاوز حدود العملية المحدودة.

غير أن وصف هذه التطورات بأنها نموذج مكتمل لإعادة تشكيل المنطقة يحتاج إلى حذر. فالإخلاء المؤقت، والنزوح الناتج عن العمليات، والتهجير الدائم، كلها وقائع مختلفة قانونيًا وسياسيًا، ولا يجوز دمجها في توصيف واحد من دون أدلة محددة.

وبالتالي، فإن جنين في خطاب سموتريتش ليست بالضرورة هدفًا عسكريًا منفردًا، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها اختبارًا لنموذج أوسع في شمال الضفة: تكثيف العمليات، تقييد الحركة، ضرب البنية المسلحة، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المجال الأمني. أما القول إن هذا المسار أدى بالفعل إلى تثبيت واقع جغرافي وديموغرافي جديد، فيحتاج إلى توثيق مستقل ومحدد.

بين الانتخابات والسياسة

من الخطأ، في المقابل، تجاهل العامل الانتخابي، حتى من دون الجزم بوجود انتخابات وشيكة أو تحديد موعد لها ما لم يكن ذلك مثبتًا رسميًا.

سموتريتش يقود حزب «الصهيونية الدينية»، وقد جعل من الأمن والاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية عناصر أساسية في خطابه السياسي. ولذلك فإن رفع سقف التصريحات تجاه الفلسطينيين يمكن أن يؤدي وظيفة انتخابية واضحة: تقديم نفسه أمام جمهور اليمين بوصفه صاحب مشروع أكثر تشددًا في التعامل مع الضفة والاستيطان، لكن الوظيفة الانتخابية لا تعني أن الخطاب بلا مضمون سياسي.

فقد سبق لسموتريتش أن عبّر عن مواقف مؤيدة لتوسيع الاستيطان وضم أجزاء من الضفة الغربية، كما عارض قيام دولة فلسطينية مستقلة. وهذه المواقف موثقة في تصريحات وخطط سياسية سابقة، لكنها لا تعني تلقائيًا أن كل ما يطرحه سيتحول إلى سياسة رسمية أو قرار قابل للتنفيذ، إذن، قد يفسر السياق الانتخابي سبب رفع سقف الخطاب، لكنه لا يكفي وحده لتفسير قابلية بعض أفكاره للتحول إلى سياسات عملية،السلطة الفلسطينية في قلب المعادلة الأكثر دلالة في تصريحات سموتريتش ليس الحديث عن العمليات العسكرية وحده، بل الدعوة إلى إضعاف السلطة الفلسطينية أو تفكيكها، فهذا يعني أن القضية، وفق رؤيته، لا تتعلق فقط بمواجهة فصائل مسلحة أو بتنفيذ عمليات أمنية محددة، وإنما بإعادة النظر في البنية السياسية التي نشأت بعد اتفاق أوسلو، وهنا يظهر تحول جوهري في طبيعة الصراع، فالضفة الغربية، في هذا التصور، لا تكون ساحة لمواجهة أمنية مؤقتة، بل مساحة لإعادة ترتيب العلاقة بين إسرائيل والأرض الفلسطينية والسلطة الفلسطينية. وإذا انتقل الحديث من «مواجهة الإرهاب» إلى تفكيك السلطة نفسها، فإن السؤال يصبح: من يدير المدن الفلسطينية بعد ذلك؟ ومن يتحمل مسؤولية الأمن والخدمات والحياة اليومية؟

ولا يقدم سموتريتش، في التصريحات المتداولة، تصورًا تفصيليًا واضحًا بشأن البديل، بقدر ما يطرح هدفًا سياسيًا يتمثل في إضعاف دور السلطة أو إنهائه، لذلك ينبغي التمييز بين ما قاله صراحة، وبين النتائج التي قد تترتب على تنفيذ هذا التوجه، من جنين إلى بقية الضفة؟
الخطر في قراءة تصريحات سموتريتش باعتبارها «انتخابية فقط» هو أنها قد تقلل من أهمية التغيرات التي حدثت أو تحدث في الضفة الغربية، فخلال السنوات الأخيرة، توسع الاستيطان الإسرائيلي، وازدادت القيود على الحركة، وتكررت العمليات العسكرية والاعتداءات المرتبطة بالمستوطنين، فيما استمرت الدعوات داخل الحكومة الإسرائيلية إلى فرض سيطرة أوسع على الضفة. لكن أي حديث عن أرقام محددة للمستوطنات أو البؤر الاستيطانية أو قرارات حكومية بعينها يجب أن يرتبط بتاريخ واضح ومصدر موثوق، وألا يُنسب إلى فترة مستقبلية محددة بعينها، هذه الوقائع تجعل من الصعب الفصل تمامًا بين الخطاب السياسي والتطورات الميدانية، لكنها لا تبرر أيضًا تقديم كل تصريح باعتباره قرارًا نافذًا، 

فالسياسة لا تتحول دائمًا إلى قرار واحد كبير، أحيانًا تتشكل تدريجيًا عبر مجموعة من الإجراءات مثل : مستوطنة جديدة، طريق مغلق، منطقة عسكرية، هدم، إخلاء، تشديد على الحركة، أو تغيير في صلاحيات الإدارة المدنية، ومع تراكم هذه الإجراءات قد يتغير الواقع حتى قبل إعلان قرار سياسي نهائي..

ماذا يريد سموتريتش من الضفة.؟

إذا جمعنا بين تصريحاته الموثقة ومواقفه السابقة، يظهر تصور سياسي يقوم على ثلاثة مسارات مترابطة:

أولًا: إضعاف السلطة الفلسطينية.

ثانيًا: توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

ثالثًا: تعزيز الاستيطان ومنع تشكل كيان فلسطيني قابل للحياة.

وهذه ليست استنتاجات مبنية على تصريح واحد؛ فقد ظهرت في مواقف سموتريتش خلال السنوات الأخيرة دعوات إلى توسيع الاستيطان وضم أجزاء من الضفة الغربية ورفض قيام دولة فلسطينية. لكن ذلك لا يعني أن هذه الأهداف تحولت كلها إلى سياسة رسمية مكتملة، أو أن تنفيذها مضمون، فداخل إسرائيل نفسها توجد مؤسسات ومراكز قوى مختلفة، وبين المستوى السياسي والجيش والحكومة وحلفاء إسرائيل الخارجيين حسابات وقيود قد تؤثر في حجم أي تصعيد واتجاهه. كما أن المواقف الشخصية للوزير لا تساوي بالضرورة قرارات الحكومة أو أوامر الجيش، لذلك يجب التفريق بين المشروع الذي يطرحه سموتريتش وبين السياسة التي تستطيع الحكومة الإسرائيلية تنفيذها بالفعل، الانتخابات قد تكون المسرح… لكن الأرض هي الاختبار، من هذه الزاوية، يمكن فهم تصريحات سموتريتش باعتبارها ذات وظيفة مزدوجة، هي انتخابية إذا جاءت في سياق منافسة داخل اليمين الإسرائيلي، وتخاطب جمهورًا يرى في الأمن والاستيطان والضم قضايا مركزية، وهي سياسية لأنها تنسجم مع أفكار وسياسات سبق أن طرحها، وظهرت بعض عناصرها في النقاش الحكومي والميداني الإسرائيلي، ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة : هل سموتريتش يتحدث انتخابيًا أم جديًا؟

وإلى أي مدى يستطيع الخطاب السياسي أن يتحول إلى سياسة رسمية؟ وهنا تصبح جنين ذات أهمية خاصة. فإذا بقيت الإجراءات في شمال الضفة محصورة في عمليات عسكرية مؤقتة، فقد يكون بالإمكان تفسير جزء كبير منها ضمن منطق أمني وعسكري. أما إذا ترافقت العمليات مع إخلاء طويل الأمد، وتغيير جغرافي، وتوسع استيطاني، وتراجع متعمد لدور السلطة الفلسطينية، فإن المسألة تصبح أوسع من عملية عسكرية، لكن هذا الاستنتاج لا يجوز تقديمه بوصفه واقعًا مكتملًا إلا إذا دعمه توثيق واضح. الأدق القول إن جنين قد تكون مؤشرًا على اتجاه محتمل، لا دليلًا قاطعًا على أن إعادة تشكيل الضفة قد اكتملت.

أما فلسطينيآ :

هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن للفلسطينيين قراءة هذا المسار؟ إذا كان المشروع الإسرائيلي المتشدد يتجه نحو إضعاف السلطة ومنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، فإن النقاش الفلسطيني لا يستطيع أن يبقى محصورًا في شكل السلطة أو في التنافس على الانتخابات وحدها.

السؤال يصبح: هل تستطيع السياسة الفلسطينية أن تنتقل من إدارة الواقع القائم إلى التأثير في اتجاهه؟

وهذا يضع أي انتخابات فلسطينية مستقبلية، في حال إجرائها، أمام اختبار مختلف: هل ستكون وسيلة لإعادة إنتاج بنية سياسية قائمة، أم مدخلًا لإعادة بناء القدرة الفلسطينية على مواجهة واقع يتغير على الأرض؟

وينبغي تقديم انتخابات فلسطينية مستقبلية بوصفها حدثًا مؤكدًا وموعد رسميًا. كما أن الربط بينها وبين الانتخابات الإسرائيلية يحتاج إلى صياغة احتمالية، لا إلى الإيحاء بوجود مسار انتخابي متزامن ومثبت.

في النهاية: قد تكون تصريحات سموتريتش انتخابية من حيث التوقيت والوظيفة السياسية، لكنها لا تبدو منفصلة عن مشروع أوسع عبّر عنه الرجل مرارًا خلال السنوات الأخيرة.

ولهذا فإن التعامل معها باعتبارها مجرد «مزايدة انتخابية» قد يكون قراءة ناقصة، كما أن اعتبارها إعلانًا مؤكدًا عن حرب شاملة في الضفة يتجاوز ما يمكن إثباته من التصريحات وحدها.

وبالتالي النظر إليها باعتبارها إشارة سياسية إلى اتجاه يريد سموتريتش دفع إسرائيل نحوه، فيما ستحدد موازين القوى داخل الحكومة والجيش والمجتمع الإسرائيلي والضغوط الدولية مقدار ما يمكن تحويله من هذا الخطاب إلى قرارات فعلية، أما جنين، فقد تتحول من مجرد اسم في الخطاب السياسي الإسرائيلي إلى مؤشر على مستقبل الضفة: هل تبقى العمليات العسكرية أدوات مؤقتة، أم تتحول إلى سياسة دائمة لإعادة رسم الجغرافيا والسكان والسلطة؟

ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل تصريحات سموتريتش انتخابية؟

بل: ما الذي يمكن أن يبقى منها إذا تحولت من خطاب سياسي إلى سياسة رسمية.؟