نشرت في 17 أغسطس 2026 06:21 م
https://khbrpress.ps/post/434052
لم يعد الصيف في قطاع غزة مجرد فصل يتغير فيه الطقس؛ بل تحول إلى ظاهرة من الاستنزاف الجسدي والنفسي اليومي. مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية لتتجاوز أحياناً التاسعة والثلاثين درجة مئوية، تحولت آلاف الخيام المصنوعة من النايلون والبلاستيك والقماش الخفيف إلى ما يشبه الأفران المغلقة.
يجد مئات الآلاف من النازحين أنفسهم محاصرين بين شمس لا ترحم من الأعلى، وأرض رملية جافة تنبعث منها الحرارة من الأسفل، في ظل انعدام شبه تام للمياه الصالحة للشرب أو الاستخدام اليومي.
تتفاقم هذه المعاناة الإنسانية المركبة في ظل غياب مقومات الحياة الأساسية؛ فلا كهرباء لتشغيل وسائل التهوية البسيطة، ولا أشجار تظلل المساحات المفتوحة، ولا مياه كافية لإطفاء ظمأ الأجساد المنهكة، أصبح الحصول على لتر واحد من الماء معركة قائمة بذاتها تتطلب الانتظار لساعات طوال تحت أشعة الشمس المباشرة.
فهرس المحتوى [إظهار]
داخل خيمة صغيرة في منطقة المواصي، تجلس إيمان (35 عاماً) وهي تمسك بقطعة قماش بللتها بآخر قطرات ماء متبقية في وعاء بلاستيكي صغير، تحاول حنان مسح وجه طفلها الرضيع "أمير" الذي لم يتجاوز عامه الأول. يكسو جسده الغضّ حرارةً ملتهبةً وجلد محمر انتشرت فيه التسلخات الشديدة نتيجة الطفح الجلدي الناجم عن الحر الشديد والاستسقاء العرقي المتواصل.
تقول إيمان بنبرة يملؤها العجز: "الخيمة من الداخل تغلي كأنها طنجرة ضغط، في ظهيرة كل يوم يصبح الهواء داخل الخيمة غير قابل للتنفس، أخرج بطفلي إلى خارج الخيمة لأبحث عن أي نسمة هواء لكننا نجد الرياح الساخنة تكتسح المكان، المأساة الحقيقية ليست فقط في الحرارة، بل في عدم وجود ماء أستطيع به غسل جسده كل لحظة، أرى طفلي يبكي طوال الليل والنهار من ألم التسلخات الجلدية، ولا أملك إلا أن أردد أدعية الصبر".
على بعد خطوات قليلة، يقف أبو محمد (55 عاماً) في طابور طويل ممتد لمئات الأمتار أمام نقطة توزيع مياه خيرية متقطعة العمل. يحمل في يديه أربعة غالونات بلاستيكية فارغة، بينما تتصبب نقاط العرق من جبهته لتسقط على الأرض الرملية العطشى.
يوضح أبو محمد طبيعة يومه قائلاً: "يبدأ يومي في السادسة صباحاً ليس للعمل أو كسب الرزق، بل لجدولة رحلة البحث عن الماء. نصيب أسرتي المكونة من ثمانية أفراد لا يتعدى 40 لتراً في اليوم إن حالفنا الحظ، وهي كمية لا تكفي للشرب وإعداد الطعام البسيط، أما الاستحمام أو غسل الملابس فصار من الرفاهيات المسحوبة من قاموسنا، النظافة الشخصية أصبحت حلماً وهذا ما جعل الأمراض الجلدية والتعفنات تنتشر بين أبنائي كالنار في الهشيم".
لم تمنع الحرارة الشديدة الطفلة مروة (9 سنوات) من الخروج للعب بين أزقة المخيم الضيقة، لكن أثر الحرارة يبدو واضحاً على ملامحها؛ بقع بيضاء وحمراء تنتشر على وجنتيها وذراعيها نتيجة الإصابة بمرض الجدري والفطريات الجلدية التي باتت شائعة جداً بين أطفال الخيام.
تتحدث مروة بعفوية مشوبة بالحزن: "نحن لا نملك ألعاباً هنا، ونقضي وقتنا على طابور التكيات أو الانتظار في طوابير الماء، وعندما تشتد الشمس نشعر بالدوار ونفقد القدرة على الحركة. أصدقائي في المخيم كلهم يعانون من الحكة الشديدة في أجسادهم. ننام في الليل على أرضية صلبة وساخنة، والحشرات والقوارض مثل أبو مقص والذباب والبعوض والفئران تتجمع علينا بسبب الحر والعرق".
يرسم هذا الواقع المعيشي المؤلم صورة واضحة لما آلت إليه الأوضاع الصحية في مخيمات النزوح. فالجمع بين الارتفاع الحاد في درجات الحرارة وشح المياه يخلق بيئة مثالية لانتشار الأوبئة.
حيث تشهد النقاط الطبية الميدانية زيادة كبيرة في حالات الجرب، والتهاب الجلد البكتيري، والتسلخات الناتجة عن سوء النظافة والتعرق المستمر، بالإضافة للأمراض المعوية، حيث يؤدي استهلاك المياه غير المكفولة كيميائياً أو جرثومياً إلى حالات متكررة من النزلات المعوية والجفاف بين الأطفال وكبار السن.
ناهيك عن ضربات الشمس والإجهاد الحراري: تتزايد حالات الإغماء والإجهاد الحراري، خاصة بين كبار السن والأطفال الذين يقضون ساعات طويلة في العراء.
تزداد الأزمة خطورة في ظل النقص الحاد في الأدوية الأساسية؛ فالكريمات المرطبة، والمضادات الحيوية الخاصة بالأمراض الجلدية، ومحاليل الجفاف أصبحت شحيحة جداً، مما يترك المرضى يخوضون آلامهم دون علاج يخفف عنهم.
على الرغم من القسوة المطلقة لهذه الظروف، يظهر النازحون أشكالاً بدائية وابتكارية في محاولة التعايش مع الطقس الصيفي الملتهب، يضع البعض طبقات من القش أو الكرتون فوق أسطح الخيام للتقليل من الحرارة، بينما تلجأ أسر أخرى إلى رش بضع قطرات من الماء الثمين على أغطية القماش لتبريد الهواء النافذ، أو إبقاء الأطفال داخل حفر صغيرة مبللة بالماء تحت ظلال جدران قريبة إن وجدت.
إن هذه المحاولات البسيطة لا تعبر عن الرفاهية، بل هي أدوات دفاعية أخيرة للحفاظ على الحياة في مواجهة طبيعة قاسية وبيئة منعدمة المقومات.
تبقى خيام النزوح في غزة شاهدة على معاناة إنسانية فريدة من نوعها، حيث يتحد حر الصيف اللاهب مع شح المياه والأمراض ليصنعوا واقعاً يصعب على البشر تحمله. إن كل قطرة ماء غائبة وكل نسمة هواء محجوبة تمثل جزءاً من حكاية صمود يكتبها أناس عاديون أُجبروا على عيش حياة جُردت من أبسط حقوقها.
ومع غروب شمس كل يوم، لا تنتهي المعاناة، بل تتحول الخيام المشتعلة نهاراً إلى غرف كتمة تحتبس الحرارة ليلاً، ليبقى الأمل الوحيد لهؤلاء النازحين هو انقضاء هذا الحر، وعودة الحياة إلى مجراها الطبيعي حيث الماء الوفير، والسقف الآمن، والكرامة الإنسانية المحفوظة.