نشرت في 06 سبتمبر 2026 11:30 ص
https://khbrpress.ps/post/434854
بعد أيام من إلغاء لقاء كان مقرراً بين حركتي فتح وحماس في القاهرة، كشف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب عن عقده اجتماعاً في تركيا مع معظم أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس، بينهم رئيس المكتب السياسي للحركة خليل الحية والقيادي زاهر جبارين، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مسارات الحوار الفلسطيني، وما إذا كانت قنوات التواصل بين قيادات الحركتين تتحرك بعيداً عن المسار الرسمي الذي تعثر في القاهرة.
وكان من المقرر أن يجتمع وفدان من فتح وحماس في القاهرة لبحث جملة من الملفات، في مقدمتها الانتخابات التشريعية وترتيبات المرحلة المقبلة، في إطار حراك مصري لاستئناف الحوار بين الحركتين. إلا أن اللقاء ألغي قبل انعقاده، وسط روايات متباينة بشأن الجهة التي قررت إلغاءه.
وفي خضم هذا التعثر، جاء كشف الرجوب عن لقائه قيادة حماس في تركيا، ليضيف بعداً جديداً إلى المشهد، خصوصاً أن الرجل لم يصف الاجتماع بأنه مجرد لقاء عابر، بل قال إنَّ ما سمعه من قيادة الحركة يُمكن أنّ يشكل أرضية لبناء آليات تحمي المشروع الوطني وتنهي الوضع الذي يعيشه الفلسطينيون.
وخلال لقاء مع صحافيين نظمته مؤسسة "لمة صحافة" بمناسبة إطلاق بطولة "ألف شهيد" الكروية، قال الرجوب “إنّه التقى قبل نحو أسبوعين في تركيا معظم أعضاء المكتب السياسي لحماس، بينهم خليل الحية وزاهر جبارين”.
وحينما سُئل عن إلغاء اللقاء الذي كان مقرراً بين فتح وحماس في القاهرة، أشار الرجوب، إلى اجتماعه بقيادة حماس في تركيا، مؤكداً أنه التقى معظم أعضاء المكتب السياسي للحركة.
لقاء تركيا في مواجهة تعثر القاهرة
ويمنح توقيت الكشف عن لقاء تركيا الاجتماع دلالة سياسية خاصة؛ فبينما كان المسار الذي ترعاه القاهرة يتجه إلى عقد لقاء مباشر بين فتح وحماس، انتهى ذلك المسار إلى الإلغاء، في الوقت الذي كانت فيه قناة اتصال أخرى قد فتحت بين الرجوب وعدد من أبرز قيادات حماس.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مسار تفاوضي منفصل، لكن تزامن الحدثين يطرح تساؤلات حول طبيعة القنوات التي تتحرك من خلالها القيادات الفلسطينية، وما إذا كان الحوار الداخلي في حركة فتح يشهد تبايناً بشأن كيفية التعامل مع حركة حماس وملف المصالحة.
وتكتسب تصريحات الرجوب أهمية أكبر في ضوء تأكيده أنَّ ما سمعه من قيادة حماس يمكن أنّ يُشكل "أرضية" لبناء آليات جديدة، وهي صياغة تتجاوز مجرد الإعلان عن عقد اللقاء إلى الإيحاء بوجود نقاط تقاطع يمكن البناء عليها.
من الانتخابات إلى إعادة بناء النظام السياسي
ولم يقتصر حديث الرجوب على لقاء تركيا، إذ أعلن في الوقت ذاته أنه لا يتوقع إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، داعياً إلى اجتماع يضم القيادة الفلسطينية والفصائل والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف رسم خريطة طريق تحمي النظام السياسي والقرار الوطني.
كما دعا إلى حوار وطني فلسطيني شامل تستضيفه وترعاه مصر، معتبراً أن تجديد شرعية النظام السياسي، وإجراء الانتخابات، وإصلاح مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، تمثل أضلاعاً أساسية للخروج من المأزق الفلسطيني.
وتُشير هذه الرؤية إلى أنَّ الرجوب لا يتعامل مع الانتخابات باعتبارها استحقاقاً منفرداً، وإنما يربطها بإعادة ترتيب أوسع للنظام السياسي، يبدأ بالحوار وينتهي بتجديد الشرعيات وإصلاح المؤسسات.
لماذا يصبح لقاء الرجوب بحماس مهماً الآن؟
تكمن أهمية لقاء الرجوب بقيادة حماس في أنه جاء في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة للعلاقات بين فتح وحماس.
فالحركتان لا تزالان منقسمتين منذ سنوات، بينما أدت الحرب على قطاع غزة والتطورات المتلاحقة في الضفة الغربية إلى إعادة طرح سؤال شكل النظام السياسي الفلسطيني، وكيفية إدارة قطاع غزة، ومستقبل منظمة التحرير، وإمكانية إجراء انتخابات تشمل مختلف الأراضي الفلسطينية.
وفي الوقت ذاته، كان الحراك المصري خلال أغسطس/آب الماضي يستهدف إعادة إطلاق الحوار بين الحركتين، حيث تحدثت مصادر فلسطينية عن ترتيبات لعقد اجتماع ثنائي في القاهرة بعد سلسلة من الاتصالات، فيما قالت مصادر أخرى إنَّ حماس سبق أنّ وجهت دعوات لعقد لقاء مع فتح للتشاور بشأن مخرج سياسي ووطني للأزمة.
لكن اللقاء لم يُعقد، وهو ما جعل كشف الرجوب عن اجتماعه بقيادة حماس في تركيا أكثر إثارة للاهتمام، خصوصاً أنّه جاء من شخصية قيادية في فتح تربطها قنوات اتصال سابقة مع قيادات الحركة.
سميح خلف: ترتيب البيت الفتحاوي مدخل للبيت الوطني
ويرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، سميح خلف، أن تصريحات الرجوب تنسجم مع طرح يرى ضرورة ترتيب البيت الفتحاوي أولاً، باعتباره مدخلاً لإعادة ترتيب البيت الوطني.
ويعتبر خلف، في حديثٍ خاص بوكالة “خبر”، أنَّ تجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني، وإصلاح مؤسسات منظمة التحرير، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، تُمثل ضرورة وطنية، لكنه يشكك في إمكانية إجراء انتخابات في ظل الظروف الحالية.
ويُشير إلى أنَّ حركة فتح تُعاني من خلافات وانقسامات داخلية، بينما تُواجه الضفة الغربية تصاعداً في الاستيطان واعتداءات المستوطنين وأزمات اقتصادية واجتماعية، في حين يعيش قطاع غزّة واقعاً إنسانياً كارثياً يجعل إجراء الانتخابات أمراً بالغ الصعوبة.
ويُبيّن خلف أنَّ علاقة الرجوب بقيادات حماس ليست جديدة، مُشيراً إلى لقاءات ومبادرات سابقة، بينها المسار الذي جمعه بالقيادي السابق في حماس صالح العاروري.
وبحسب خلف، فإنَّ الحوار الوطني وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وإصلاح منظمة التحرير يجب أنّ تكون جزءاً من مسار شامل، مع إعطاء الأولوية لمعالجة الأزمة في قطاع غزة ورفع المعاناة عن الفلسطينيين وتعزيز صمودهم.
عماد عمر: المشكلة في تحويل المبادرات إلى مسار عملي
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور، د. عماد عمر، أنَّ تصريحات الرجوب تعكس إدراكاً لخطورة المرحلة، في ظل التراجع والانقسام والتحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني.
ويعتبر عمر، في حديثه لوكالة “خبر”، أنَّ ما يجري من اتصالات ومبادرات يعكس تقاطعاً متزايداً بين قوى وشخصيات فلسطينية مختلفة حول ضرورة إعادة بناء النظام السياسي على أساس الشراكة الوطنية.
ويُشير كذلك إلى مبادرات أخرى طُرحت في هذا السياق، من بينها رؤية القيادي الفلسطيني محمد دحلان لإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة، ومبادرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بشأن الحوار الوطني وإعادة بناء المؤسسات.
ويرى عمر، أنَّ السؤال لم يعد حول الحاجة إلى الحوار، وإنما حول قدرة الأطراف على تحويل هذه الدعوات إلى مسار سياسي عملي، في ظل الخلافات داخل حركة فتح والتباين حول العلاقة مع حماس ومستقبل النظام السياسي.
مساران أم قناة واحدة؟
بين لقاء تركيا الذي جمع الرجوب بقيادة حماس، والحراك المصري الذي يحاول جمع وفدي الحركتين، تبدو الساحة الفلسطينية أمام قنوات متعددة للتواصل، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى مسار سياسي موحد.
وقد تكون القاهرة، بحكم دورها التاريخي في ملف المصالحة، هي الطرف الأكثر قدرة على جمع هذه المسارات إذا ما توفرت إرادة سياسية فلسطينية لذلك.
لكن نجاح أيّ حوار مقبل لن يتوقف فقط على عقد لقاء بين فتح وحماس، وإنما على القدرة على الاتفاق على ملفات أكثر تعقيداً، تشمل شكل النظام السياسي، وتجديد الشرعيات، وإعادة بناء منظمة التحرير، ومستقبل السلطة، وإدارة قطاع غزة، والانتخابات.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الرجوب لافتة لأنّها تجمع بين ثلاث رسائل في وقت واحد: لقاء مباشر مع قيادة حماس، التشكيك في إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها، والدعوة إلى حوار وطني شامل برعاية مصر.
وإذا كان إلغاء لقاء القاهرة قد عكس تعثر المسار الرسمي للحوار بين الحركتين، فإنَّ كشف الرجوب عن لقائه قيادة حماس في تركيا قد يُشير في المقابل إلى أنَّ قنوات الاتصال لم تُغلق، وأن البحث عن مخرج للأزمة الفلسطينية مستمر عبر أكثر من مسار.
ويبقى السؤال الذي ستكشفه المرحلة المقبلة: هل يتحول لقاء الرجوب بقيادة حماس إلى جسر لإعادة إطلاق الحوار الذي تعثر في القاهرة، أم يبقى مجرد قناة اتصال منفردة في ظل استمرار الخلاف على مستقبل النظام السياسي والانتخابات؟