نشرت في 19 سبتمبر 2026 02:37 م
https://khbrpress.ps/post/435439
في زاوية ضيقة من الوجع الفلسطيني، حيث تتداخل فصول المأساة وتتجسد في تفاصيل صامتة، تقف مريم حسن البلعاوي شاخصةً ببصرها نحو أفق لا يحمل سوى الذكريات. أمٌّ تجرّعت مرارة الفقد كاملاً، لتروي حكايتها التي لا تُنسى؛ حكاية عائلة أُبيدت تحت الركام في لحظة غدر، وبقيت هي وابنتها الوحيدة "ملاك" تحاربان اليتم والعوز في مواجهة عالم صامت.

تستهلّ مريم حديثها بقلبٍ يختنق بالذكريات، تقول: "كنا نعيش حياة بسيطة في حي الزيتون بمدينة غزة، في ذلك الصباح في السادس من أغسطس 2025، استيقظت ابنتي الصغرى ملاك متألمة من أذنها. فقال لي زوجي محمود (32 عاماً): «خذيها يا مريم وحكّميها في العيادة». لم أكن أعلم أن تلك الساعة التي غبتها عنهم ستكون الفاصلة بين الحياة والموت. خرجتُ عند الثامنة صباحاً، وفي تمام الساعة التاسعة، رنّ هاتفي.. كان محمود على الطرف الآخر. قال لي بصوتٍ ملؤه الشوق: «أين أنتِ يا مريم؟ لا تطولي، أريد أن أراكِ، لقد اشتقت لكِ». فقلت له مستغربة: «يا محمود، ما لحقت أطلع!»، فردّ عليّ بكلماتٍ لا تزال تحفر مجراها في روحي: «لقد أعددت الفطور، وعَبّأتُ الماء، وأنا والأولاد ننتظركِ لنفطر معاً». أجبتُه: «إفطر أنت والأطفال، وسأفطر أنا وملاك فور عودتي»، فردّ بعبارته الأخيرة التي أصبحت وصماً في قلبي: تحرم عليّ اللقمة بدونك".
لم تتأخر المأساة؛ فبينما كانت مريم تتلمس طريق العودة قبالة دوار أبو حبيب، كانت غيمة سوداء تغطي السماء، وكان البيت يُستهدف بصاروخين مباشرين ليتحول إلى ركامٍ يبتلع من فيه.
تتابع: "سمعت الصوت، ورأيت الغبار يتصاعد. لم أستوعب في البداية أن الاستهداف طال عائلتي، لكن قلبي انقبض، أسرعت وملاك تبكي وتصرخ: بابا! بابا!. عندما وصلتُ، كانت العمارة تشتعل بالكامل. لم يستطع أحد إخراج زوجي وأطفالي الأربعة: مايا ومحمد (التوأم 13 عاماً)، وحلا (10 أعوام)، ومحمود. قال لنا الدفاع المدني يومها: عليه العوض، نستودعهم الله.. استخراجهم يحتاج معدات بعد الحرب”.

مريم تُشيّع عائلتها بعد عامٍ تحت الأنقاض
بدأت رحلة العذاب اليومية؛ سنة كاملة مرت ومريم تزور الركام يومياً، تتحدث مع الركام وتناجي أرواح أطفالها المدفونين تحت الأطنان من الإسمنت.
"كنت أروح كل يوم على بيتي المهدوم، أقعد فوق الركام وأتحدث مع محمود والأولاد: «يا رب يطلعوا!! يا رب يحكوا معي». مرت سنة كاملة ونحن ننتظر الانتشال”.
وفي لحظةٍ استثنائية يمتزج فيها الوجع بالمعجزة، تجد "مريم" نفسها أمام اختبارٍ لا تطيقه الأرواح. فعقب مرور عامٍ كامل على استهداف منزلها، استُخرجت جثامين زوجها "محمود" وأطفالها بعدما بقوا طوال هذه الفترة تحت أنقاض الطابق الثاني. أربعون جداراً وسقفٌ من الإسمنت المسلح لم يمنعوا الأمّ من الوقوف يومين متواصلين إلى جانب الحفارات وطواقم الدفاع المدني الذين وعدوها بألا يغادروا حتى يُخرجوا لها عائلتها.
مع رفع السقف الأول، خرج جسد طفلها "محمد"، ثم تلاه جسد توأمها "مايا" التي وُجدت بجانب والدها في الغرفة الداخلية بعدما أطاح بهما الصاروخ مجتمعين. وعلى الرغم من مرور سنة كاملة وتغيّر معالم الأجساد من لحمٍ إلى عظام، استطاعت مريم التمييز بينهم بيقينٍ لا يخطئ؛ فالتوأم محمد ومايا كانا يرتديان ملابس متشابهة، وفي يد مايا ذلك الخاتم الذي نزعته أمّها من يدها الصغيرة بنفسها. وما أذهل مريم وجعلها تقف أمام ما تشبه المعجزة، أن شعر طفلتها المجدل الطويل كان لا يزال مبلولاً بالماء، كأنها غادرت الحياة في تلك اللحظة بالذات!
لم تستسلم الأم، بل أصرّت على حمل أجسادهم وعظامهم بنفسها، موفيةً بعهدٍ قديم ووصيةٍ تركها لها زوجها محمود حين قال لها يوماً: “إذا استشهدت، فبيدكِ كفّنيني وبيدكِ ادفنيني”. حملت محمود، لفّته بالكفن، وظلت جالسة بجانب جثامينهم المكفنة تتأمل عظامهم الممددة على الأرض. وفي ليلة التوديع التي سبقت الجنازة، أُحيطت الجثامين الأربعة بأكاليل الورد الملون وضوء الشموع في مشهدٍ مهيب، حيث انزوت مريم بجوارهم تناجي ربها وتتمنى لو تنطق تلك الأجساد، متسائلةً بينها وبين نفسها بأسى: كيف صبّت الأيام هذا الفراق، وكيف تركَت أطفالها قبل عامٍ أجساداً مكتملة لتحملهم اليوم مجرد عظام!

وعلى الرغم من الوجع الذي يستقر في أعماق قلبها وهي تقف برفقة ابنتها "ملاك" في طريق الجنازة، تجد مريم عزاءها في إيمانها بأنهم في مكانٍ أفضل، وفي تلك الرؤى اليومية التي تزورها في منامها. تروي كيف يأتيها محمود يحلق فرحاً برفقة أطفاله الأربعة، يطعمها التين المحلى وسلال الفراولة من بستانٍ واسع، ويهمس في أذنها داعياً إياها ألا تبكي لأنه مرتاحٌ في الجنة، منادياً إياها بلقبها الأثير لديه: "يا وردتي الجورية". كما تقتبس الطمأنينة من طفلتها "حلا" التي زارتها في المنام لتُلبسها تاجاً جميلاً وتطلب منها أن تغمض عينيها لتلتقي بجمال هديتها؛ طيفٌ يمنح هذه الأم الصابرة القدرة على العيش بقلبٍ يئنّ بالوجع وتستند فيه على ذكرياتٍ لا تموت.
تتوارى صور الأشلاء لتبدأ معركة أخرى من المعاناة اليومية والفقر؛ فمنذ قصف البيت، أصبحت مريم وملاك تنتقلان من بيتٍ إلى آخر، بين منازل الأقارب، دون خيمة تقيهما أو دخلٍ يؤمن قوتهما.
تسرد معاناتها: "اليوم، لا نملك مكاناً يستقبلنا، ننتقل بين بيوت الأقارب، ولا أحد يسأل عنا، ابنتي ملاك الناجية الوحيدة تتمنى أبسط مقومات الحياة. أمس وأنا عائدة معها من المقبرة بعد زيارة محمود والأطفال، وقفت أمام السوبرماركت وقالت لي بكسرة قلب: «نفسي يا ماما أتسوق، نفسي أشتري لحمة وشاورما»! أبسط الأشياء تصبح أحلاماً لطفلة كسرها اليتم. وفي الليل، تفيق ملاك تبكي وتترجاني وتقولي لي: رنّي على بابا يا ماما، مين بيحن عليّ؟ أنا ضليت لحالي وحيدة، جبيلي مايا ومحمد وحلا يلعبوا معي!".
وعلى الرغم من محاولات مريم لتأمين مستقبل ابنتها الوحيدة، تصطدم بجدار من القسوة والبيروقراطية المظلمة، وتقول: "ذهبتُ لأسجلها في المدرسة للصف العاشر، فطلبوا مني رسوم 40 شيكلاً ولا أملكها! ولا أستطيع شراء الملازم والملابس لها. ذهبتُ لجمعيات الأيتام لتسجيلها، فردوا عليّ بكل جفاء: «عمرها 15 سنة، كبرت!».. يتيمة بلا أب، ولا أخ، ولا سند، ونجت وحدها من الموت، فكيف يُغلق الباب في وجهها؟ ينكسر خاطري في كل مرة أُرَدُّ فيها خائبة. نزل وزني إلى 35 كيلوغراماً من قلة الأكل والهمّ، ولا أتمنى في هذه الدنيا سوى أن أجد من يكفل هذه البنت ليؤمن لها طعامها وشرابها ومستقبلها الدراسي”.
هذه الأم الصابرة تجد عزاءها الصغير في أحلام الليل، حيث يزورها زوجها الراحل وأطفالها في المنام بأشكال مبهجة؛ يهدونها الفواكه والتيجان ويطبطبون على قلبها المكسور بكلمات المحبة والسلام، لتبقى هذه الرؤى البارقة الوحيدة التي تمنح الأم القوة للوقوف والاستمرار في مواجهة الحياة لأجل ابنتها المتبقية.
تختم حديثها: "يأتيني محمود في الحلم يطعمني التين والفراولة ويقول لي: «لماذا تبكين يا مريم؟ أنا مرتاح في الجنة، وأنتِ وردتي الجورية». وتأتيني حلا تلبسني تاجاً وتطلب مني أن أغلق عينيّ لأرى جماله.. أتسلى بهذه الأحلام لأواصل العيش من أجل ملاك، أبحث عن يد حنونة تجبر خاطر هذه اليتيمة وتعيننا على قسوة الحياة”.
#شاهد: صرخة أمّ أخرجت عائلتها عظاماً وبقيت تقاوم الكسر لأجل ملاك#غزة pic.twitter.com/SFrjnN1ARv